
في المقابل فإن التعقيد المشاهد في الكائنات الحية لا يصح أن يستعمل كدليل على الخالق عند كولينز، لأن الداروينية قد قامت بتفسير وجود هذا التعقيد بأنه نتيجة للأصل المشترك والانتخاب الطبيعي، وبالتالي لم يعد يجوز أن نستدل…
في المقابل فإن التعقيد المشاهد في الكائنات الحية لا يصح أن يستعمل كدليل على الخالق عند كولينز، لأن الداروينية قد قامت بتفسير وجود هذا التعقيد بأنه نتيجة للأصل المشترك والانتخاب الطبيعي، وبالتالي لم يعد يجوز أن نستدل بهذا التعقيد على وجود الله وخالقيته! وأن الأدلة على صحة نظرية التطور الدارويني صارت قاهرة لأي عالم فاهم، وبالتالي فإن الاستدلال بالتعقيد على خالقية الله تعالى صار استدلالاً فاسدًا غير سليم! وأن كل الذين استدلوا في الماضي –وفي الحاضر كذلك!− ببرهان التعقيد أو التصميم في الكائنات الحية أخطئوا في هذا المسلك لأنه يؤدي إلى زعزعة الإيمان وانهياره عند المؤمن بمجرد اطلاعه على حقائق علم الأحياء ونظرية التطور.
حتى في المواضع التي يعجز التفسير الدارويني أو المادي عن شغلها مثل نشأة الحياة أو نشأة الخلية الحية الأولى يحذرنا كولينز من اللجوء إلى الخلق الإلهي كتفسير لها، لأن العلم في المستقبل لن يعجز عن إيجاد التفسير المادي وعندها سيكون هذا الاستدلال سببًا في زعزعة عقائد المؤمنين كما حدث في السابق مع الكشوف العلمية لجاليليو وداروين، حيث اعتاد المؤمنون على تفسير الفجوات المعرفية التي يعجز العلم عن تفسيرها بأنها من فعل الله المباشر فيما يعرف بمفهوم إله الفجوات المعرفية.
لكن هل الاستدلال بتصميم وتعقيد الكائنات الحية يعتبر استدلالاً بمبدأ الفجوات المعرفية كما يزعم كولينز؟
الإجابة في الحقيقة هي لا، لأن من يستدل بتصميم وتعقيد الكائنات الحية إنما يتبع قاعدة عقلية وهي إدراك الغائية والغرض في التصميم أو التعقيد وبالتالي إدراك أنه من صنع صانع غائي، وفي المقابل فإن الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي إما أن تكون عاجزة عن تقديم تفسير حقيقي لهذا التصميم أو التعقيد أو المعلومات الجديدة في الشريط الوراثي أو الوظيفة الجديدة أو العضو الجديد للكائن الحي أو أن تكون قوتها التفسيرية ضعيفة بالمقارنة بالقوة التفسيرية لفرض الخالق أو المصمم الذكي.
والطريف أننا لو حاكمنا فرانسيس كولينز إلى ما يصفه بمبدأ الفجوات المعرفية لكان هو أول المدانين في هذه المحاكمة، فها هو في الفصل الثالث من الكتاب عند الكلام عن تفسير الضبط الدقيق والمعايرة الدقيقة لقوانين الفيزياء يعقد المقارنة بين التفسيرات المختلفة ليخرج بأفضل تفسير وهو أن هناك خالقٌ لهذا الكون في مقابل التفسيرات المادية المنكرة لوجوده، ويصرح أن الانفجار العظيم Big Bang يتطلب تفسيرًا إلهيًا لوجوده، وأنه لا يمكن أن يتصور المرء خلاف ذلك. ألا يدرك كولينز أن التفسيرات المادية قد تسود في يومٍ ما وتطغى على التفسير الإلهي؟ وأنه قد يأتي اليوم الذي يقرر فيه العلم أن الانفجار الكبير وأن الضبط الدقيق لقوانين الكون قد يكونا نتاج عملية عشوائية مادية محضة؟ ثم دعونا نسأل كولينز: هل وجود النظام في الكون أدعى إلى الإيمان بوجود الله أكثر من وجود التعقيد المتخصص والتعقيد غير القابل للاختزال؟؟ هل دلالة انتظام أمواج البحر وانتظام دوران الأفلاك والنجوم أعلى من دلالة شفرة المعلومات الحيوية في الشريط الوراثي أم أن العكس هو الأقرب للعقل؟! تفكيرٌ متناقضٌ في الحقيقة!
- د. هشام عزمي، التطور الموجه بين العلم والدين، ص199.
http://braheen.com/center-publications/77-tesr
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid028BhLSLzDGKGWPBNFhyRTLG1vZD1mUYagoLPQS1uow73AsugUr198G6aR5MeyMwB6l
