ردود

عن عدم قراءة الكتاب: ردًا على فرانسيسكو أيالا (2)

7 دقائق للقراءة
عن عدم قراءة الكتاب: ردًا على فرانسيسكو أيالا (2)

بقلم: د. ستيفن ماير أقرب ما وصلت مراجعة أيالا إليه في إدراك الحجة الإيجابية المركزية للكتاب هو محاولته الخرقاء لدحض فكرة التصميم الذكي بالإصرار على أن وجود تسلسلات "بدون معنى non-sense" أو خردة في الجينوم البشري يثبت…

عن عدم قراءة الكتاب: ردًا على فرانسيسكو أيالا (2) بقلم: د. ستيفن ماير أقرب ما وصلت مراجعة أيالا إليه في إدراك الحجة الإيجابية المركزية للكتاب هو محاولته الخرقاء لدحض فكرة التصميم الذكي بالإصرار على أن وجود تسلسلات "بدون معنى non-sense" أو خردة في الجينوم البشري يثبت عدم نشوئه بالتصميم الذكي. فكما يزعم بوضوح: "وفقًا لماير يقدم التصميم الذكي تفسيرًا مقنعًا أكثر للجينوم البشري من تفسير التطور." و أتساءل مرة أخرى إن تصفح البروفيسور أيالا صفحات الكتاب، فكتابي ليس عن نشوء الجينوم البشري، ولا عن التطور البشري ولا حتى عن التطور البيولوجي عمومًا. بل هو عن التطور الكيميائي، ونشوء الحياة الأولى والمعلومات الجينية الضرورية لإنتاجها. بل لقد اعترفت ببساطة في الخاتمة أن أي شخص يمكن -من ناحية المبدأ- أن يقبل حجتي عن التصميم الذكي للحياة الأولى، ويقبل معها أيضًا التفسير الدارويني الحديث المعتاد لكيفية تطور أشكال الحياة اللاحقة. أنا لا أعتقد برؤية "التخطيط العميق المسبق front-end loading" للتصميم ، لكن كتابي لم يحاول دحض هذه الرؤية، ولا دحض التفسيرات المعتادة للتطور البيولوجي. لهذا السبب فإن محاولة أيالا الدفاع عن التطور البيولوجي ودحض النظرية الخاصة بأن التصميم الذكي لعب دورًا مميزًا في نشأة الجينوم البشري لا يمكن النظر إليها بأي طريقة كردٍ على حجة توقيع في الخلية. مع ذلك من الجدير بالذكر أن حجة أيالا ضد التصميم الذكي للجينوم البشري المرتكزة على وجود الدنا المدعو بالخردة أو "عديم المعنى"؛ هي حجة مستندة على فرضيتين معيبتين وقديمتين وغير صالحتين. يشير أيالا إلى أنه ليس هناك مصمم يستحق صفة "الذكي" يسمح بامتلاء الجينوم البشري بتسلسلات الدنا عديمة المعنى المتناثرة، وأن وجود هذه التسلسلات وتوزعها العشوائي الظاهر يمكن تفسيره بشكل أكفأ على أنه نواتج ثانوية للطفرات والانتقاء غير الموجه بطريقة التجربة والخطأ. وفقًا لأيالا فإنّ توزع تسلسل خاص (تسلسل Alu)، والذي يؤكد هو عدم احتواءه على أي معنىً جيني، يشير إلى كاتبٍ مهمل وغير ذكي، وليس إلى مصمم ذكي، حيث يرى أن "الأمر كما لو أن محرر كتاب توقيع الخلية أدرج بين كل صفحتين من كتاب ماير أربعين صفحة إضافية، تحوي كل منها الحروف الثلاثمائة نفسها. لن يعتقد ماير غالبًا أن محرره "ذكي". فهل يمكن العثور على أية وظيفة لتسلسلات Alu المتماثلة تقريبًا والتي يبلغ عددها المليون؟ يبدو ذلك مستبعدًا". فالحاصل أنَّ أيالا يزعم أساسًا أن (1) كثرة تسلسلات الدنا عديمة المعنى و(2) التوزع العشوائي لهذه التسلسلات، يظهران أن الجينوم البشري يستحيل أن يكون مصممًا. لكن هاتين الحقيقتين المزعومتين التي يستند أيالا عليهما في حجته خطأ. أولًا، لا الجينوم البشري ولا جينوم الكائنات الأخرى يغلب عليه الدنا الخردة، فكما وثقت في كتاب توقيع في الخلية، من المعلوم الآن أن المناطق غير المرمزة للبروتينات في الجينومات (في الكائنات المختلفة) والتي اعتُقد لفترة طويلة أنها "خردة" أو "دون معنى" تنجز وظائف عديدة مهمة. فالدنا غير المرمز للبروتينات ليس دون معنى، وليس خردة. في الصفحة 530 من كتاب التوقيع، عددت عشرة وظائف مختلفة عُرف الآن أن مناطق الجينوم غير المرمزة للبروتينات تنجزها. (الإحالات إلى المنشورات العلمية المُحكّمة التي توثق مزاعمي موجودة هناك). بالمجمل المناطق غير المرمزة في الجينوم تعمل مثل نظام تشغيل في حاسوب من ناحية أنها توجه وتنظم توقيت وتعبير الوحدات الجينية الأخرى المرمزة للبروتينات. بل إن تسلسلات Alu التي يستشهد بها أيالا خصوصًا، كأمثلة رئيسية لتسلسلات كثيرة بلا معنى متوزعة عشوائيًا في الجينوم البشري، ليست غير وظيفية أو "بلا معنى". حيث تنجز تسلسلات العناصر النووية المبعثرة القصيرة (اختصارًا SINE)، والتي يعد Alu فردًا منها، عدة وظائف تنسيقية وتنظيمية في جينومات كل الكائنات الموجودة فيها، وزعْمُ أيالا العكس أمرٌ غير صحيح. تسمح تسلسلات SINEs (ومن ضمنها Alu) باستعادة المعلومات الجينية بعدة طرق مختلفة من نفس ملفات بيانات الدنا حسب الاحتياجات الخاصة للنسج أو الأنماط الخلوية المختلفة (وفي سياقات مختلفة خاصة بنوع الكائن الحي). وبشكل خاص تنجز تسلسلات Alu العديد من وظائف التنسيق الجينومية الخاصة بالأصنوفة في المستوى الأدنى مثل: (1) تقديم مواقع بدء بديلة لوحدات المِعْزاز promoter في التعبير الجيني، بما يشبه تجزئة القرص الصلب في الحاسوب (Faulkner et al., 2009; Faulkner and Carninci, 2009) (2) كبح أو "إسكات" انتساخ الرنا (Trujillo et al., 2006) (3) التقسيم الديناميكي لملف جينة واحدة عن الملفات الأخرى على الصبغي (Lunyak et al., 2007) (4) تقديم عقد دنا لمسالك نقل الإشارة أو مواقع ارتباط للمستقبلات الهرمونية (Jacobsen et al., 2009; Laperriere et al., 2004) (5) ترميز جزيئات رنا تعدل الانتساخ (Allen et al. 2004; Espinoza et al. 2004; Walters et al. 2009) (6) ترميز أو تنظيم جزيئات الرنا المكروي (Gu et al., 2009; Lehnert et al., 2009). بالإضافة إلى هذه الوظائف في التنسيق الجينومي في المستوى الأدنى، تنجز SINEs (بما فيها ALu) أيضًا وظائف تنسيق نوعية للنوع في المستوى الأعلى مثل: (1) تعديل كروماتين زمر جينات نقل الإشارة والجينات الأساسية housekeeping الغنية بالـ GC (Grover et al., 2003, 2004; Oei et al., 2004; Eller et al., 2007) (2) "الشفرة الشريطية bar coding" لقطع مخصصة من عروات الكروماتين بين عناصر المعزاز والمُحسِّنات enhancers (Ford and Thanos, 2010) (3) تكميل التأشيب recombination¬ في التسلسلات التي يوجد فيها Alu (Witherspoon et al., 2009) (4) المساعدة في تنسيق مناطق الصبغيات ثلاثية الأبعاد أو "الحجرات" في النواة (Kaplan et al., 1993; Pai and Engelke, 2010). كما تعيّن تسلسلات Alu العديد من رموز الرنا النوعية للنوع، حيث تقدم خصوصًا: (1) إشارات لتضفير جزيئات رنا بديلة (أي توليد عدة جزيئات رنا مرسال مختلفة من نفس النسخة البدئية) (Gal-Mark et al., 2008; Lei and Vorechovsky, 2005; Lev-Maor et al., 2008) (2) إطارات قراءة مفتوحة بديلة (إكزونات) (Lev-Maor et al.,2007; Lin et al., 2008; Schwartz et al., 2009) (3) تحدد احتباس جزيئات رنا منتقاة في النواة لإخماد التعبير عنها (Chen et al.,2008; Walters et al., 2009) (4) تنظم آلة الرنا بوليميراز II خلال الانتساخ (Mariner et al., 2008; Yakovchuk et al., 2009; Walters et al., 2009) (5) تقدم مواقع لتعديل الرنا أدنين إلى إينوزين، وهي وظيفة أساسية لنمو البشر ونماء الدماغ الخاص بالنوع (Walters et al., 2009). بعكس زعم أيالا، فإن تسلسلات Alu (وتسلسلات SINEs الأخرى في الثدييات) غير متوزعة عشوائيًا بل تبدي طراز توزُّع "ترميز واسم" متشابهٍ على طول صبغياتها (Chen and Manu-elidis, 1989; Gibbs et al., 2004; Korenberg and Rykowski, 1988) حيث أن توزُّع "الشفرة الشريطية bar code" لتسلسلات Alu -بشكل مشابه لتوزع الخط المائل والفواصل المنقوطة والفراغات المستخدمة لتنسيق كود برنامج حاسوبي- يعكس (مع تسلسلات SINEs الأخرى) منطقًا وظيفيًا واضحًا، وليس كتابة مهملة أو إدخالات بطفرات عشوائية. مثلًا تميل تسلسلات Alu للتمركز في الجينات المرمزة للبروتينات وحولها بما يلائم دورها في تنظيم التعبير الجيني (Tsirigos and Rigoutsos, 2009). وتوجد بشكل رئيسي في مناطق المعزاز (مواقع بدء إنتاج الرنا) وفي الإنترونات (القطع التي تفصل المسافات المرمزة للبروتين). وينخفض عدد تسلسلات Alu بشدة خارج هذه المناطق. كما أننا نعلم الآن أن تسلسلات Alu موجهة إلى (أو مشبوكة في) مناطق نشطة مفضلة معينة في الجينوم بوساطة معقدات بروتينية أو "الآلة الإدماجية" لنظام معالجة المعلومات الخلوي (Levy et al., 2010). يُحسّن هذا التوزُّع الموجَّه لتسلسلات Alu التنظيم الدلالي semantic والتداولي syntactical للدنا البشري، ولا يبدو أنه دليل على حدوث طفرات إدخالية عشوائية، بعكس مقتضى حجة أيالا ومثاله عن "الكاتب المهمل". يزعم النقاد مرارًا وتكرارًا أن نظرية التصميم الذكي مرتكزة على الدين لا العلم، ولكن رد أيالا على كتابي هو الذي يستند على حجة دينية، ويشوه مرارًا الأدبيات العلمية في محاولة واهية لدعمها. حيث يزعم أن الجينوم البشري يبدي تسلسلات بلا معنى وتحريرًا مهملًا لا يليق بإله أو بأي مصمم ذكي حقيقي. كما أنه يرى جوانب أخرى من العالم الطبيعي يعتقد أنها غير متسقة مع وجود إله. سأترك علماء الدين ليواجهوا حجج أيالا حول إن كانت آلام الظهر لدى المسنين وغيرها من المعاناة البشرية العامة تجعل وجود الله أمرًا غير منطقي، لكن بما يخص السؤال العلمي الخاص بتنظيم الجينوم البشري، أعتقد أن الدليلَ واضحٌ. أيالا هو الذي كان مهملًا، ليس فقط في تقييمه للجينوم البشري، بل في نقده لكتابي. * ملحوظة: هذه السلسلة سننشر فيها ترجمة كتاب (جدل التوقيع Signature of controversy)، وهو يناقش بعض المسائل التي وردت في كتاب (توقيع في الخلية) ويرد على الاعتراضات التي نشرت منذ نشر الكتاب الأصلي. — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid0Jbr7aj5cSHTSNZEdP3A6MqQL5mPEt88h7jLzo4gV4soTBqCybcEb8heNM6o52wvHl

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.