
بقلم: د. ستيفن ماير لا شك أن ذلك يحصل دائمًا، لا بد أن هناك مراجعات كثيرة كتبها مراجعون بالكاد فتحوا صفحات الكتب التي يدّعون مراجعتها، إلا أن الذين يقررون كتابة مثل هذه المراجعات العمياء عادةً ما يبذلون جهدًا للحصول على…
عن عدم قراءة الكتاب: ردًا على فرانسيسكو أيالا (1)
بقلم: د. ستيفن ماير
لا شك أن ذلك يحصل دائمًا، لا بد أن هناك مراجعات كثيرة كتبها مراجعون بالكاد فتحوا صفحات الكتب التي يدّعون مراجعتها، إلا أن الذين يقررون كتابة مثل هذه المراجعات العمياء عادةً ما يبذلون جهدًا للحصول على معلومات عن الكتاب حتى يستطيعوا على الأقل وصف مضمونه بدقة، لتجنب إحراج أنفسهم على الأقل. لكن للأسف، يبدو أن عالم البيولوجيا التطورية البارز فرانسيسكو أيالا لم يجر أي بحث ولو عن ملاحظات بسيطة على الإنترنت في مراجعته لكتابي توقيع في الخلية (والتي من المفارقة أنه كتبها تحت عنوان "عن قراءة توقيع الخلية")، بل يبدو من قراءة مراجعته على موقع بيولوغوس، أنه لم يزد كثيرًا على إلقاء نظرة خاطفة على صفحة الغلاف وجدول المحتويات، إن كان قد فعل ذلك أصلًا. فشوهت مراجعته أطروحة الكتاب وموضوعه، بل وحرفت عنوانه.
عنوان كتابي ليس توقيع الخلية Signature of the Cell كما يشير أيالا إليه مرارًا وتكرارًا، بل توقيع في الخلية Signature in the Cell.
أطروحة الكتاب ليست أن "الصدفة وحدها لا يمكن أن تفسر المعلومات الجينية الموجودة في جينومات الكائنات الحية" كما يزعم، بل أطروحته هي أن التصميم الذكي يستطيع تفسيرها، وأنه يقدم أفضل تفسير (من بين العديد من الفرضيات المنافسة، وليس الصدفة وحدها) لنشأة المعلومات الضرورية لإنتاج الخلية الحية الأولى.
كما أن موضوع الكتاب لا يعالج نشوء جينومات الكائنات الحية، أو الجينوم البشري كما يوحي نقد البروفيسور أيالا، إنما نشوء الحياة الأولى والغموض الذي يحيط بنشأة المعلومات الضرورية لإنتاجها.
يبدأ أيالا مراجعته بمحاولة التقليل من حجة توقيع في الخلية، ولكنه يفعل ذلك من خلال تشويه أطروحته. يقول أيالا: "الحجة الأساسية لتوقيع الخلية [كذا] هي أن الصدفة وحدها لا يمكنها أن تفسر المعلومات الجينية الموجودة في جينومات الكائنات الحية." ثم يشير - كما أشرتُ في الكتاب - إلى قبول جميع علماء البيولوجيا التطورية بهذه النتيجة. ويتساءل: "فلماذا إذًا يُفرد فصلًا تلو فصل ومئات الصفحات من الكلام المنمق لمناقشة هذه الفكرة؟" لكن بالطبع لم يستنفد الكتاب مئات الصفحات ليناقش هذه النقطة، بل استغرق فعليًا 55 صفحة فقط من أصل 613 صفحة في تفسير سبب اتفاق كل الباحثين في مجال نشأة الحياة تقريبًا على رفض فرضية الصدفة منذ الستينيات. والكتاب يناقش تلك القضية فعلًا، ولكن ليس لأن هدف الكتاب الأساسي هو دحض فرضية الصدفة بحد ذاتها، بل لعدة أسباب أخرى ضرورية جدًا للأطروحة الفعلية للكتاب.
يبني توقيع في الخلية حجة مؤيدة لفرضية التصميم باعتباره أفضل تفسير لنشوء المعلومات البيولوجية الضرورية لإنتاج الكائن الحي الأول. ويتبع من أجل ذلك طريقة معيارية مدروسة للتفكير العلمي التاريخي، طريقةً أيدها داروين بحد ذاته ومهد لاستخدامها جزئيًا في كتابه أصل الأنواع. تسمى الطريقة عدة أسماء مثل طريقة الفرضيات المتنافسة المتعددة، أو طريقة استنتاج أفضل تفسير، وتستلزم حتمًا فحص الفرضيات المتنافسة الرئيسية التي اقترحها العلماء لتفسير حدثٍ ما في الماضي السحيق. وقد فهم علماء التاريخ –تبعًا لداروين ومرشده العلمي لايل Lyell- أن التفسيرات الأفضل هي التي تستشهد عادةً بالأسباب التي نعلم من خبرتنا الحالية قدرتها -بل وقدرتها الفريدة دون غيرها من الأسباب- على إنتاج التأثير المدروس.
في خضم تطبيق طريقة الفرضيات المتنافسة المتعددة لبناء حجتي لإثبات التصميم الذكي في كتاب توقيع في الخلية، فحصتُ فرضية الصدفة لنشأة الحياة لأنها إحدى عدة فرضيات متنافسة مقترحة لتفسير نشوء الحياة الأولى ونشوء المعلومات البيولوجية. وقد بدأت بانتقادها لأنها كانت أُولى الفرضيات المقترحة لتفسير نشوء الحياة في بداية اكتشاف خصائص الدنا الحامل للمعلومات. لكنني استكملت فحص العديد من النماذج الأحدث لنشوء المعلومات البيولوجية، بما فيها النماذج المستندة إلى الضرورة الفيزيائية الكيميائية (مثل نماذج التنظيم الذاتي الحالية)، والنماذج المستندة على التداخل بين الصدفة والضرورة (مثل سيناريو عالم الرنا RNA World الشهير). فأمضيت أكثر من تسعين صفحة وأربعة فصول في نقاش هذه النماذج. فهل فاتته هذه الفصول؟
إضافةً لذلك، يقدم نقدي لفرضية الصدفة أساسًا لتقييم بعض هذه النظريات الكيميائية التطورية الأحدث، والتي من المفترض أن أيالا يدرك أنها نظريات متنافسة بالنسبة لعلماء البيولوجيا التطورية حيث ترتكز على الصدفة بالمشاركة مع عمليات أخرى. مثلًا، سيناريو عالم الرنا الحالي المشهور يفترض نشوء محفزات رنا ذاتية التضاعف أولًا نتيجة التفاعلات العشوائية بين أحجار البناء الكيميائية أو وُحَيْدات الرنا، ثم بعد أن تظهر أول جزيئة رنا ذاتية التضاعف يتدخل الانتقاء الطبيعي في العملية التالية من التطور الجزيئي اللازم لإنتاج الخلية الأولى. لكني بيّنتُ في توقيع في الخلية أن كمية المعلومات ذات التسلسل النوعي الضرورية لإنتاج جزيئة رنا متضاعفة ذاتيًا بسيطة مفترضة أكثر بكثير من الكمية التي يمكن منطقيًا افتراض نشوئها بالصدفة وحدها. فتحليلي لاحتماليات إنتاج جزيئات حيوية مختلفة غنية بالمعلومات ليس مهمًا فقط لإثبات أن "الصدفة وحدها لا يمكن أن تفسر" نشوء المعلومات الجينية، إنما هو مهم أيضًا في تبيين سبب فشل النظريات التي تعتمد على الصدفة بالإضافة إلى الانتقاء الطبيعي قبل الحيوي.
على كل حال لم يكتفِ توقيع في الخلية بمجرد صياغة حجة ضد النظريات المادية لنشوء المعلومات الضرورية لإنتاج الحياة الأولى، وإنما بنى أيضًا حجة إيجابية لصالح التصميم الذكي بإثبات أن نشاط الفاعلين الواعين العاقلين هو السبب الوحيد المعروف الذي يمكن أن تنشأ عبره كميات كبيرة من المعلومات الوظيفية الجديدة، على الأقل عند الانطلاق من طلائع فيزيائية وكيميائية صرفة.
يتبع...
* ملحوظة: هذه السلسلة سننشر فيها ترجمة كتاب (جدل التوقيع Signature of controversy)، وهو يناقش بعض المسائل التي وردت في كتاب (توقيع في الخلية) ويرد على الاعتراضات التي نشرت منذ نشر الكتاب الأصلي.
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid027AisiuRuwebUmqN8MGJ36JU55JZRWViZkpJim7iHC5ySHsny1Z5kw6jF9RZTs85Bl
