
تأليف: كيسي لسكين - ترجمة: معاذ يحيى 2. هل يدعم الدليل السلف المشترك؟ أ. الجغرافيا الحيوية الجغرافيا الحيوية هي دراسة توزّع الكائنات الحية في الزمان والمكان خلال تاريخ الحياة. المدافعون عن الداروينية الجديدة يؤكّدون…
السلف المشترك العام: نقد شامل (2)
تأليف: كيسي لسكين - ترجمة: معاذ يحيى
2. هل يدعم الدليل السلف المشترك؟
أ. الجغرافيا الحيوية
الجغرافيا الحيوية هي دراسة توزّع الكائنات الحية في الزمان والمكان خلال تاريخ الحياة. المدافعون عن الداروينية الجديدة يؤكّدون عادةً على أنّ الجغرافيا الحيوية تدعم وجهة نظرهم بقوّة. على سبيل المثال، المركز الوطني لتعليم العلوم (NCSE)، جماعة لوبي مؤيّدة لداروين، تستشهد "بتناغم بين البيولوجيا الحيوية والأنماط التطوّرية" وتُجادل، "هذا التوافق هو ما يُتوقّع من نمط الانحدار من سلف مشترك".10
على أية حال، الكثير من بيانات الجغرافيا الحيوية لا علاقة لها بالتطوّر الدارويني، ولا تُقدّم دليل خاصًا على السلف المشترك. ويمكن أن تُفسّر بسهولة كنتيجة الهجرة والانجراف القارّي؛ فكرتان مُقنعتان ومقبولتان عمليًا من قبل الجميع في هذه المناظرة. على كل حال، حجج المركز الوطني لتعليم العلوم تتجاهل أحجيات الجغرافيا الحيوية العديدة التي أزعجت علماء الأحياء التطوّريين، حيث أنّها أظهرت عدم توافق بين الجغرافيا الحيوية والسلف المشترك.
التفسيرات التطوّرية للجغرافيا الحيوية تفشل عندما تظهر الكائنات الأرضية أو كائنات المياه العذبة في موقع (مثل جزيرة أو قارّة منعزلة) لا يمكن لآليات الهجرة فيه تفسير كيف وصلت هذه الأنواع من أسلافها التطوّرية المقترحة. بعبارة أُخرى، خذ أي تجمعين سكانيّين من الكائنات الحية، وأنصار التطوّر الإلهي يدّعون أنّه إذا رجعنا للوراء بما فيه الكفاية، فإنّهما يجب أن يكونا مرتبطين في المكان والزمان عبر أصل مشترك. لكن أحيانًا من المستحيل واقعيًا تفسير كيف وصل تجمّعان سكّانيّان معيّنان إلى موقعيهما الجغرافيين الحاليين من بعض التجمّعات السكّانية لأسلاف مشتركة.
على سبيل المثال، معضلة شديدة تواجه افتراض السلف المشترك من الجغرافيا الحيوية هي أصل قردة أمريكا الجنوبية، المُسمّاة "سعادين العالم الجديد". اعتمادًا على الأدلة الجُزيئية والشكلية، يُعتقد أن سعادين العالم الجديد قد انحدرت من قردة "العالم القديم" أو قردة "النسناس" الإفريقية.
السجل الأحفوري يُظهر أن القردة قد عاشت في جنوب إفريقيا منذ 30 مليون سنة تقريبًا.11 لكن الصفائح التكونية تُظهر أنّ أفريقيا وأمريكا الجنوبية قد انفصلا قبل ما يقرب من 100-120 مليون عام تقريبًا، وأمريكا الجنوبية كانت قارةّ جزيريّة منعزلة منذ 80 وحتى 3.5 مليون سنة.12 إذا كانت قردة أمريكا الجنوبية قد انفصلت عن القردة الإفريقية قبل 30 مليون سنة تقريبًا، فالداروينية الجديدة يجب أن تُفسِّر بطريقة ما كيف عبرت القردة مئات، إن لم تكن آلاف، الكيلومترات من المحيط المفتوح لينتهي بها الأمر في أمريكا الجنوبية!
هذا يطرح مشكلة كبيرة للسلف المشترك؛ مشكلة يعرفها عدد من الخبراء. يصرّح كتاب مدرسي صادر عن دار هاربر كولينز عن التطوّر البشري بأن "أصل قردة البلاتيرهينيات حيّر علماء الحفريات لعقود ... أين وكيف وصلت القردة إلى أمريكا الجنوبية".13 ويوضح عالما الحفريات (جون فليغل John Fleagle) و (كريستوفر جيلبيرت Christopher Gilbert) أن "أكثر جوانب الجغرافيا الحيوية تحديًّا لتطور البلاتيرهينيات يهتمّ بأصل الفرع الحيوي clade بأكمله. أمريكا الجنوبية كانت قارّة جزيريّة على مدار أغلب العصر الثالث [منذ 66 إلى 2.5 مليون سنة] ... وعلماء الحفريات قد تناظروا كثيرًا في هذا القرن حول كيف وأين وصلت القردة لأمريكا الجنوبية".14
بالنسبة لأولئك الذين ليسوا على دراية بتفسيرات العلماء التطوّريين، فإنّ ردودهم على مثل هذه المعضلات تكاد تكون غير قابلة للتصديق. هم لا يفترضون أن الأصل المشترك يمكن أن يكون خاطئًا، ولكن القردة يجب أن تكون قد ركبت عرض المحيط الأطلسي، من إفريقيا إلى أمريكا الجنوبية، لاستعمار العالم الجديد. كتاب هاربر كولينز الجامعي يوضّح، " تُجادل "فرضية التجديف rafting hypothesis" بأن القردة تطوّرت عن سعالات بدائية لمرّة واحدة فقط في إفريقيا، و ... اجتازت الرحلة البحرية لأمريكا الجنوبية".15 بالطّبع، لا يمكن أن يكون هناك قرد بحّار واحد، وإلا سيموت، دون أن يُنجب ذريّة. بالتالي، قردان على الأقل (أو ربّما قردة حامل واحدة) يجب أن يكونا قد اجتازا رحلة التجديف البحرية.
فليغل وجيلبيرت يُقرّان بأنّ فرضية التجديف "تبرز إشكالًا بيوجغرافيًا صعبًا" لأن "أمريكا الجنوبية تفصلها عن إفريقيا مسافة 2600 كم [~1600 ميل) على الأقل، ممّا يجعل وجود رابط التطوّر السلالي والبيوجغرافي بين مجموعات القردة في القارّتين يبدو مُستبعَدًا".16 ولكنّهم ملتزمون بالسلف المشترك، ومُلزَمون لإيجاد مثل هذا "الرابط"، مُستبعدًا كان أو لا!
معارضين لاعتبار خيارات غير تطوّرية، خَلُصَا إلى أن "فرضية التجديف هي التفسير الأقرب للأصل البيوجغرافي للسعالات البدائية".17 بعبارة أُخرى، فرضية تجديف القردة "المستبعدة" تم جعلها "محتملة" فقط لأنّهما يفترضان أن الأصل المشترك يجب أن يكون صحيحًا.
بالطبع، حتّى فرضية التجديف تواجه مصاعب خطيرة. الثدييات مثل القردة لديها معدّل أيض كبير وتحتاج كميّات كبيرة من الطّعام والماء.18 بالتالي اعترف فليجيل وجيلبيرت أن "الانتشار الحيوي عبر الماء أثناء تطوّر الرئيسيات يبدو مذهلًا حقًا لمستوى ثدييات"، ويستنتجان، "أسباب انتشار التجديف خلال فترة تطوّر الرئيسيات يبقى غير مفسّر".19 أو كما يقول خبير آخر، "الجانب الميكانيكي لانتشار سعادين العالم الجديد يتعذّر حلّه واقعيًا" لأن النماذج التطوّرية "يجب أن تستدعي آليات انتقالية عابرة للمحيط غير قابلة للتصديق [التجديف] أو مُشكوك بها .. في أفضل الأحوال".20. فليغيل وجيلبيرت يمثّلان رحلة القردة بالربح في القمار: "بضربة من الحظ الجيّد كان أشباه البشر قادرين على "الفوز" باليانصيب".21
هذه ليست الحالة الوحيدة التي يضطر فيها علماء الأحياء التطوّريين إلى استدعاء التجديف أو آليات خيالية للانتشار المحيطيّ لحلّ المشاكل الصعبة. لغز بيوجغرافي آخر يشمل وجود سحالٍ وزواحف كابيائيّة كبيرة في أمريكا الجنوبية22، وصول النحل والليمور وثديّات أُخرى في مدغشقر23، ظهور أحافير للفيلة على جزر متنوّعة24، ظهور ضفادع المياه العذبة في السلاسل الجزرية المحيطيّة المعزولة25، وأمثلة أخرى كثيرة.26
هذه المشكلة موجودة في الأنواع المنقرضة أيضًا. تُلاحظ ورقة صادرة عام 2007 في مجّلة Annals of Geophysics "مشكلة التوزّع المتفكك غير المحلولة للأحافير على الجانب الآخر من الأطلسي".27 ومع ذلك، هذه الورقة لا تستدعي التجديف، بدلًا من ذلك هي تقترح شيئًا أبعد من ذلك حتّى: التجمّعات الحيوية أصبحت منفصلة بسبب "الأرض المتمددة"؛ فرضية جيولوجية تم استبعادها منذ زمن طويل (تختلف عن النظريات المقبولة الحديثة للصفائح التكتونية)، يمكن أن تُؤخذ على محمل الجد فقط عند محاولة إنقاذ الأصل المشترك من التخطئة.
مراجعة عام 2005 في مجلّة Trends in Ecology and Evolution توضّح جوهر المشكلة:
"مشكلة تقليدية في الجغرافية الحيوية هي تفسير سبب امتلاك أصناف أرضيّة وأصناف مائية عذبة معيّنة توزّعات جغرافية يفصلها المحيط. لماذا يوجد الزان الجنوبي (Nothofagus spp) في أستراليا ونيوزيلاندا ونيو غينيا وجنوب أمريكا الجنوبية؟ لماذا هناك إجوانا على جزر الفيجي، بينما كل أقاربها في العالم الجديد؟".28
بعد أخذ عدّة أمثلة بيوجغرافية "غير متوقّعة" بعين الاعتبار، تستنتج المراجعة، "هذه الحالات تعزز رسالة عامّة للتطوّريّ العظيم [داروين]: بإعطائها وقتًا كافيًا، يمكن لأشياء كثيرة قد تبدو مستبعدة أن تحدث".29
بالفعل، كلمة "مستبعدة" تعبر عن الرسالة المراد إيصالها هنا. إذا كنت ستحافظ على السلف المشترك، يجب عليك قبول بعض الادعاءات البيوجغرافية الشاذّة. عندما يُجبر العلماء التطوّريين على اللجوء إلى فرضيات "الأرض المتمددة" الخرافية، أو التفسيرات "المستبعدة" لأنواع تجدّف عبر المحيطات، فالسلف المشترك يواجه تحدّيًا بوضوح.
يتبع...
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid02i7LLzaQZrp1Cv5n6B9DurfqMo6HmTdw3J58SWiQTW9yxsBHHsUnDm45ws5QBsPh1l
