فلسفة

الإجماع الإنساني: كيف يكتسب الإنسان العادة الصحيحة؟

6 دقائق للقراءة
الإجماع الإنساني: كيف يكتسب الإنسان العادة الصحيحة؟

* تنويه: ننشر في هذه السلسلة تلخيصا لأحد فصول كتاب (الإجماع الإنساني: المحددات ومعايير الاحتجاج) للباحث رضا زيدان كيف يكتسب الإنسان العادة الصحيحة وقواعد النظر للعالم؟ يأخذ الطفل قسطًا كبيرًا من التربية والتدريب لكي…

* تنويه: ننشر في هذه السلسلة تلخيصا لأحد فصول كتاب (الإجماع الإنساني: المحددات ومعايير الاحتجاج) للباحث رضا زيدان كيف يكتسب الإنسان العادة الصحيحة وقواعد النظر للعالم؟ يأخذ الطفل قسطًا كبيرًا من التربية والتدريب لكي يستطيع النظر للعالم كما يراه الإنسان العادي، فالمجتمع هو الذي يحوّل انطباعات الطفل من "انطباعات ذاتية محضة" إلى "قواعد معيارية"، هذه القواعد لها مستويات من حيث إمكان الخروج عنها كأي "لعبة"[1]، فهناك قواعد هي شروط ابتدائية للّعبة نفسها؛ هي من بنية اللعبة واللاعبين، وهي متجذرة في فطرتهم، ألا وهي المشتركات الإنسانية (مثل مبدأ انتظام العالم في صور قوانين بسيطة كالسببية وعدم التناقض) وهي تمثل النواة الثابتة للمعرفة الإنسانية. وهناك قواعد يمكن الخروج عنها تمامًا بل هذا الخروج هو محل الإبداع والفن الإنساني، كالاستعارات الجديدة التي يأتي بها علماء التجربة في بناءهم للنظريات المبتكرة، أو الاستعارات بالغة الدلالة التي يعبر بها الشعراء عن وجدان مجتمعهم، بل إنها تحريض للمجتمع على أن ينظر لشيء ما بهذه الاستعارة الجديدة، أو التعديلات التي تطرأ على ألعاب الأطفال المتوارثة عبر الأجيال –التي ينشئها الأطفال أنفسهم بأدوات بسيطة- من طفل ذي نظرة جديدة.[2] فكيف يتخلص الطفل من انطباعاته الذاتية ويدرك معنى "احترام القواعد"؟ كيف يتحول من اللعب الحر بالأشياء دون قواعد "التمركز حول الذات" إلى تشريعات وقوانين داخل لعبة يشترك فيها مع أقرانه؟ فليس هناك قواعد دون جماعة، ولماذا يحترم القواعد أصلا؟ والفكرة التي تهمنا في هذا الجزء هي: دور المجتمع في تأمين المعرفة، واستحالة تحول الانطباع الذاتي لقاعدة عن طريق الاستبطان. -إن القواعد الاجتماعية لابد لها من "معنى" يفهمه الطفل من خلال نشاطه مع أقرانه، وأهم هذه القواعد والتي ستؤثر في كافة الأنشطة البشرية هي اللغة؛ فالطفل يتعلم عن طريق أي رمز سببي ككلمة "لماذا" مستخدم في سياقات مادية واجتماعية وذاتية فهم معنى "السببية"، لكن قبل الدخول في قيمة الأوليات العقلية؛ نقول باختصار عن اكتساب القواعد بشكل عام: هناك مركب لتعليم الطفل القواعد وهو (الميل الذاتي لفرض الانتظام على الطبيعة + تعليم الكبار من خلال الأكل ووقت النوم مثلًا + التكرار الموجود في الطبيعة كتعاقب الليل والنهار وتعاقب المناظر اليومية التي يراها الطفل في والديه)، فالطفل من شهوره الأولى يسبح في جو من القواعد، كل هذا يكفي لإدراك القواعد أو ما يسميه جان بياجيه "العملية القانونية"([3]). وهذا المركب به اتباع جبري واتباع اختياري ناشئ من حب الطفل لمربيه أو شعور سيكولوجي، والدليل على هذا الشعور هو الصعوبة الشديدة في تغيير القواعد بعد تعلمها، فالطفل "يضمر احترامًا عظيما للقواعد"([4]). ومن أشهر القواعد الفطرية هي الأوليات العقلية، وطبيعة اليقين فيها، وتعتبر أهم القضايا في نظرية المعرفة خلال التراث الإنساني لأنها أساس المعرفة، ولكونها قضايا لا يمكن إثباتها بل تؤخذ كمسلمات وينتهي البرهان إليها، فقضية أن الكل أكبر من الجزء دائمًا لا يمكن البرهنة عليها، بل يقبلها الطفل كمسلمة دون نظر، يقول ابن حزم: الصبي الصغير في أول تمييزه إذا أعطيته تمرتين بكى وإذا زدته ثالثة سر، وهذا علم منه بأن الكل أكثر من الجزء، وإن كان لا يتنبه لتحديد ما يعرف من ذلك، ومن ذلك علمه بأن لا يجتمع المتضادان، فإنك إذا وقفته قسرًا بكى ونزع إلى القعود، علمًا منه بأنه لا يكون قائمًا قاعدًا معًا، ومن ذلك علمه بألا يكون جسم واحد في مكانين؛ فإنه إذا أراد الذهاب إلى مكان ما فأمسكته قسرًا بكى، وقال كلامًا معناه: دعني أذهب، علمًا منه بأنه لا يكون في المكان الذي يريد أن يذهب إليه ما دام في مكان واحد.([5]) فابن حزم –والمذهب العقلي- يراها قضايا تهجم على النفس من مجرد الاحتكاك بالواقع، "وليس بين أول أوقات تمييز النفس في هذا العالم وبين إدراكها لكل ما ذكرنا مهلة البتة، لا دقيقة ولا جليلة ولا سبيل على ذلك، فصح أنها ضرورات أوقعها الله في النفس ولا سبيل إلى الاستدلال". ويعرّفها ابن سينا بقوله: هي القضايا التي يصدق بها الإنسان من جهة قوته العقلية، من غير سبب يوجب التصديق بها إلا ذواتها([6])، فهي مبادئ لا تنشئها الخبرة الحسية، بل هي طبيعة فطرية في الإنسان، وهذا هو سبب اليقين فيها، ولابد أن ينتهي الاستدلال إليها كأرضية مشتركة بين البشر، وإلا لزم التسلسل الممتنع؛ يقول ابن تيمية: البرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية فإن كل علم ليس بضروري لابد أن ينتهي إلى علم ضروري، إذ المقدمات النظرية لو أثبت بمقدمات نظرية دائمًا لزم الدور القبلي، فإن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر إذ لو كانت تلك المقدمات أيضًا نظرية لتوقف على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله، للزم ألا يحصل في قلبه علم ابتداءً فلابد من علوم بديهية أوليه يبتدئها الله في قلبه وغاية البرهان أن ينتهي إليها([7]). وهناك مذهبان كلاسيكيان في المعرفة؛ المذهب العقلي: -العقل مصدر المعرفة والمرجع للنظريات؛ فالحواس السليمة تدرك جزيئات المعرفة لكن العقل يدرك المعرفة الكلية التي تتعلق بالوجود كوجود، لأنها قضايا مطلقة اليقين في أي عالم ممكن، ومن أشهر ممثلي هذا المذهب؛ أفلاطون وأرسطو وديكارت. يقول أفلاطون عن التسليم بها: يبدأ طلاب الهندسة والأشكال المشابهة من التفكير بالتسليم جدلًا ببعض الأشياء، ويتعاملون معها بوصفها افتراضات أساسية.([8]) ويقول عن اكتسابها: القدرة على فهم الحقائق فطرية في كل ذهن إنساني.([9]) وبالنظر إلى محاورة "مينون" نجد أن أفلاطون يصر على الاستبصار الموجود عند الأطفال أو الجهلاء في فهم الحقائق، فما على المعلّم إلا التنبيه والتذكير بالأسئلة الصحيحة. أما المذهب التجريبي فالذهن عنده صفحة بيضاء، يولد الطفل بلا أي نوع من القبليات، ثم يعلمه الاحتكاك بالواقع من خلال الحس، ومن أشهر ممثلي هذا المذهب ديفيد هيوم وستيوارت مل وأغلب الفلسفة المادية. لكن لن أتعرض للمذهبين إلا من خلال فكرة القواعد واليقين فيها، لأن الفكرة الرئيسية في هذا الجزء ليس منشأ المعرفة بل تأمين المعرفة، فسواء كان هناك "بنية عقلية" قبل التعامل مع العالم تلزم الإنسان بإنشاء القواعد أو لم يكن فالحاصل أنها بنية معيارية، أي من خلال القياس بأغلب البشر، فالمذهب العقلي عرف أنها بنية فطرية بالقياس لا بالنظر إلى النفس "الاستبطان"، ولم يؤمّن صحة هذه المعارف الأولية إلا بالقياس إلى العادة الإنسانية الصحيحة كما سيتضح. أما المذهب التجريبي فهو مسلّم ضمنًا بأن الواقع "المجتمع" هو الواهب للوعي والبنية التي سيتفق عليها أغلب البشر؛ ولولا هذا الاتفاق ما كان هناك خبرات سواء كانت مادية أو اجتماعية أو نفسية بالمعنى العام، فالانطباعات الذاتية التي تكلمت عنها ليست هي "الخبرة البشرية النفسية بمعنى الألم مثلا"، لأن هذه الخبرات لا يمكن أن تستند على تجارب فقط، فالتجربة لا يكون لها معنى إلا داخل سياق ثابت مفترض، فأنى للتجربة أن تأتي باليقين لو كانت كل القواعد التي وفقًا لها تسير التجربة ليست إلا تجريبية وتبعًا لذلك ممكنة؟ المراجع: [1] مصطلح الألعاب سنتكلم عنه تفصيلًا في محله. [2] ومن ذلك الرسم عند الأطفال وتداخل انطباعهم الذاتي مع القواعد؛ انظر في هذا كتاب: مدخل إلى سيكولوجية رسوم الأطفال لعبد المطلب أمين القريطي. [3] جان بياجيه، الحكم الخلقي عند الأطفال، مكتبة مصر، ترجمة: محمد خيري حربي، ص40. [4] المرجع السابق، ص 44، وانظر التجارب التالية لها. [5] مقدمة الفصل في الملل والأهواء والنحل. [6] ابن سينا، النجاة في المنطق والإلهيات، دار الجيل، ص64. [7] درء تعارض العقل والنقل 3/309. [8] جون كوتنغهام، العقلانية؛ فلسفة متجددة، مركز الإنماء الحضاري، ترجمة محمود الهاشمي، ص:34. [9] المرجع السابق، ص35. — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.