فلسفة

فيزياء الكوانتم حقيقة أم خيال؟ (1): من نيوتن إلى الكم

5 دقائق للقراءة
فيزياء الكوانتم حقيقة أم خيال؟ (1): من نيوتن إلى الكم

* تنويه: ننشر في هذه السلسلة تلخيصا لأهم فصول كتاب (فيزياء الكوانتم: حقيقة أم خيال؟!) للدكتور أليستر راي بروفيسور الفيزياء السابق في جامعة برمنجهام بلورت أعمال «نيوتن» وكتاباته أهمية الرياضيات في فهم الفيزياء. حيث كانت…

* تنويه: ننشر في هذه السلسلة تلخيصا لأهم فصول كتاب (فيزياء الكوانتم: حقيقة أم خيال؟!) للدكتور أليستر راي بروفيسور الفيزياء السابق في جامعة برمنجهام بلورت أعمال «نيوتن» وكتاباته أهمية الرياضيات في فهم الفيزياء. حيث كانت "قوانين الطبيعة" تُكتب في صورة كميات رياضية لاستنتاج تفاصيل الحركة في الأنظمة الفيزيائية. وبهذا استطاع «نيوتن» أن يفسر تحركات القمر والكواكب بما يتسق مع قوانينه، بل إنه فسر أنماط المد والجزر، وحركات المذنبات أيضًا. امتد هذا المنهج الرياضي الموضوعي في دراسة الظواهر الطبيعية إلى عدد من المجالات العلمية. وأظهر «جيمس كليرك ماكسويل James Clerk Maxwell» في القرن التاسع عشر أن كل ما كان معلومًا عن المجالات الكهربية والمغناطيسية في ذلك الوقت فمن الممكن استنتاجه باستخدام عدد قليل من المعادلات (عُرفت لاحقًا باسم «معادلات ماكسويل Maxwell's Equations»). وتوصل «ماكسويل» إلى أن «الموجات الكهرومغناطيسية Electromagnetic Waves» تتكون من مجالين: مجال كهربي وآخر مغناطيسي؛ ينتشران بسرعة الضوء. ومن هنا لوحظ أن موجات الضوء نفسها ما هي إلا إحدى تلك الموجات الكهرومغناطيسية ولا تختلف عن سائرها (كموجات الراديو، والأشعة تحت الحمراء، وأشعة إكس) إلا في طولها الموجي وترددها. إلى هنا بدا للعلماء أن جميع الظواهر الفيزيائية محكومة بميكانيكا «نيوتن» وكهرومغناطيسية «ماكسويل». يتضح الآن التأثير الفلسفي لهذه التطورات العلمية؛ حيث اعتقد العلماء أن كل شيء في الكون محكوم بهذه القوانين الصارمة، ومن الممكن التنبؤ بمستقبل أي نظام فيزيائي −حتى الكون كله، نظريًا− باستخدام تلك القوانين وبمعرفة حالة النظام الحالية. ولا شك أن الحسابات الدقيقة −أو حتى التقريبية− لمستقبل الأنظمة الفيزيائية المعقدة كانت ولا زالت مستحيلة تمامًا من الناحية العملية (تأمل مثلاً في صعوبة التنبؤ بالطقس في بريطانيا لأكثر من بضعة أيام مقبلة!). ولكن ذلك لم يؤثر في مبدأ «الحتمية Determinism» الذي ينص على أن مستقبل الكون محكوم بصرامة بالقوانين الفيزيائية. إن هذه الحتمية كانت نتيجة مباشرة لطريقة تفكير «نيوتن» وسلفه. حتى قال العالم الفيلسوف الفرنسي «بيير سيمون دي لابلاس Pierre Simon de Laplace» في القرن التاسع عشر: "من الممكن أن نعتبر أن حالة الكون الآن نتيجة لماضيه، وهي السبب في مستقبله". وعلى الرغم من أن العديد من الظواهر الفيزيائية ظلت غير مفهومة على وجه التفصيل بنهاية القرن التاسع عشر؛ فقد كان معظم الفيزيائيين يعتقدون أنه لا مزيدَ من القوانين الطبيعية الأساسية، واعتقدوا أن الكون محكوم بقوانين حتمية. ثم أطاحت الثورة العلمية الجديدة خلال الثلاثين عامًا الأولى من القرن العشرين بهاتين الفكرتين. برزت هذه الثورة العلمية −التي تُعرف الآن بنظرية الكوانتم− بشكل أساسي بعد دراسة ظواهر الإشعاع الكهرومغناطيسي، وأدت مشكلاتها الفكرية والفلسفية الكبيرة −مقارنةً بطريقة التفكير المعتادة− إلى مقولة «أينشتاين» التي سبق الإشارة إليها، وهذه المشكلات الفكرية والفلسفية هي موضوع كتابنا هذا. وكما سنرى لاحقًا؛ أدت نظرية الكوانتم إلى رفض الحتمية، أو أدت −على الأقل− إلى رفض صورتها السطحية التي عبرت عنها عبارة «لابلاس»؛ فلم تعد حالة الكون الآن نتيجة مباشرة لماضيه ولا سببًا حتميًا لمستقبله. بل إن بعض مضامين فيزياء الكوانتم كانت أكثر تأثيرًا وجذرية مما سبق، حيث كان وصف الواقع أنطولوجيًا هو أحد الأهداف الأساسية للفيزياء الكلاسيكية. وكانت النظرة الأنطولوجية الكلاسيكية تعتمد على مفاهيم «الجسيمات Particles» و«القوى Forces» و«المجالات Fields» التي تتفاعل معًا طبقًا لقوانين معلومة. أما في نظرية الكوانتم؛ فوفقًا للتفسيرات السائدة، من المستحيل أن تتبنى تفسيرًا أنطولوجيًا بمثل هذا الاتساق. فعلى سبيل المثال؛ تخبرنا نظرية الكوانتم أن فعل القياس أو الرصد يؤدي غالبًا إلى تغيير عميق في حالة الشيء المرصود، وأن الصفات التي يُحتمَل أن يتصف بها ذلك الشيء ربما تعتمد على ما يجري قياسه بالفعل! ونتيجة لذلك أصبحت صفات النظام الفيزيائي المعين وخصائصه المحددة (كموضع جسيم متحرك أو سرعته) تُسمى بكلمة «مرصودة أو قابلة للرصد Observable»، في إشارة إلى أن هذه الصفات المعينة تستمد واقعيتها من عملية القياس أو الرصد. واندفع البعض لاعتقاد أن الحقيقة الوحيدة هي العقل البشري الراصد؛ وأن سائر الأشياء −بما في ذلك الكون كله− مجرد وهم. ولتجنب تلك النتائج؛ ظهرت عدة نظريات أنطولوجية واقعية تحاول أن تتسق مع النتائج التجريبية لفيزياء الكوانتم. واقترحت فرضيات أخرى أن كوننا ليس الكون الوحيد وأننا لو سلَّمنا بوجود عدد لانهائي من الأكوان فسوف نستعيد الواقعية والحتمية. واقترحت فرضيات أخرى أن نظرية الكوانتم ليست النظرية النهائية المكتملة لفهم الكون؛ على الرغم من نجاحاتها الواضحة؛ وأننا لا نزال في حاجة إلى ثورة علمية أخرى. يهدف كتابنا هذا إلى التطرق إلى تلك النظريات وغيرها مع الكشف عن مضامينها الفلسفية. ومن الضروري قبل ذلك أن نجيب عن سؤال: ما هي فيزياء الكوانتم؟ لذلك سوف نشير في هذا الفصل إلى بعض الأفكار التي تقف وراء فيزياء الكوانتم وسنستعرض بعض نجاحاتها، ثم نشير إلى المشكلات الفكرية الموجودة في تلك النظرية. برزت الحاجة إلى طريقة جديدة في النظر إلى الأمور بعد دراسة صفات الضوء. وقبل أن نبحث تلك الأفكار الجديدة لابد أولاً من فهم مفصل لنظرية «ماكسويل» حول الضوء والموجات الكهرومغناطيسية التي أشرنا إليها منذ قليل. لقد أثبت «ماكسويل» أنَّ في أي نقطة على الموجة الكهرومغناطيسية مجالين: مجالاً كهربيًّا ومجالاً مغناطيسيًّا، وكل منهما متعامد على الآخر ومتعامد أيضًا على اتجاه الموجة، كما هو مُوضَّح في (الصورة ١−١). ويهتز هذان المجالان ملايين المرات في كل ثانية ويتغيّران دوريًا على طول الموجة. ويُسمى عدد هذه الاهتزازات في الثانية الواحدة بـ «التردد Frequency» (ويختصر بالرمز f). كما تُسمى المسافة بين كل قمتين متتاليتين بـ «الطول الموجي Wavelength» (ويُرمز إليها بـ λ). وتبين أن «سرعة Speed» الموجة الكهرومغناطيسية c تساوي حاصل ضرب التردد في الطول الموجي: c = λf ويمكن الكشف عن وجود المجال الكهربي في الموجة الكهرومغناطيسية بقياس فرق الجهد الكهربي بين نقطتين على مسارها. ولا يمكن أن يقاس هذا بشكل عملي مباشر في حالة موجات الضوء؛ لأن ترددها مرتفع جدًا حيث يصل إلى ١٤١٠ ذبذبة لكل ثانية. وقد أجريت تجربة مماثلة على موجات الراديو التي يبلغ ترددها ٦١٠ ذبذبة لكل ثانية. ويمكن عن طريق قياس هذه الأنماط معرفة الطول الموجي للضوء المستخدم في التجربة. ووُجد بهذه القياسات أن الضوء المنظور (أي بالنسبة للعين البشرية) يتراوح بين اللون البنفسجي ذي الطول الموجي الأقصر (نحو 0.4 جزء من مليون جزء من المتر) وبين اللون الأحمر ذي الطول الموجي الأطول (نحو 0.7 جزء من مليون جزء من المتر). ومن الخصائص الأخرى المهمة: شدة الموجة؛ وفي حالة الضوء فهي الصفة التي نسميها بالإضاءة أو شدة الإضاءة. وبعبارة تقنية: فإن شدة الموجة أو شدة الإضاءة هي مقدار الطاقة التي تحملها الموجة لكل ثانية. وتتناسب شدة الضوء طردًا مع مربع سعة المجال الكهربي، وسوف نستخدم هذه المعلومات فيما يأتي. — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.