علوم

فيزياء الكوانتم حقيقة أم خيال؟ (2): الذرات والموجات المادية

4 دقائق للقراءة
فيزياء الكوانتم حقيقة أم خيال؟ (2): الذرات والموجات المادية

* تنويه: ننشر في هذه السلسلة تلخيصا لأهم فصول كتاب (فيزياء الكوانتم: حقيقة أم خيال؟!) للدكتور أليستر راي بروفيسور الفيزياء السابق في جامعة برمنجهام الذرات والموجات المادية مثلما استقر النموذج الموجي للضوء في الفيزياء…

* تنويه: ننشر في هذه السلسلة تلخيصا لأهم فصول كتاب (فيزياء الكوانتم: حقيقة أم خيال؟!) للدكتور أليستر راي بروفيسور الفيزياء السابق في جامعة برمنجهام الذرات والموجات المادية مثلما استقر النموذج الموجي للضوء في الفيزياء الكلاسيكية؛ استقر كذلك −من دون شك تقريبًا− في مطلع القرن العشرين أن المادة تتكون من جسيمات صغيرة للغاية أو ما يسمى بالذرات. ونجحت نظرية «دالتون Dalton» الذرية بشكل واضح في تفسير العمليات الكيميائية، واتضح أن ظاهرة «الحركة البراونية Brownian Motion» (التي تتقلب فيها جسيمات الدخان في الهواء تقلبات غير منتظمة) يرجع تفسيرها إلى التصادمات العشوائية بين جزيئات الهواء. كما أن دراسة خصائص أنابيب التفريغ الكهربي (التي تُعتبر النموذج السابق على أنابيب أشعة الكاثود في أجهزة التلفاز) قادت «طومسون Joseph John Thomson» إلى استنتاج وجود جسيمات صغيرة للغاية مشحونة كهربيًا −سُميت فيما بعد بالإلكترونات− تنبعث من الأسلاك المعدنية بعد تسخينها في الفراغ لدرجات حرارة عالية. وفي وقت مبكر من القرن العشرين برهن «إرنست رذرفورد Ernest Rutherford» على أن الذرة بداخلها نواة صغيرة للغاية مشحونة بشحنة كهربية موجبة وتتركز فيها معظم كتلة الذرة، وتوقع أن تكون الذرة مكونة من هذه النواة الموجبة محاطة بتلك الإلكترونات. وفشلت كل محاولات الفيزياء الكلاسيكية في وصف بنية الذرة بنموذج أكثر تفصيلاً. وكان أحد تلك النماذج يصف دوران الإلكترونات حول النواة كما تدور الكواكب حول الشمس. لكن نظرية «ماكسويل» الكهرومغناطيسية تستلزم أن تُشعَّ هذه الإلكترونات المشحونة مقدارًا من الطاقة في صورة موجات كهرومغناطيسية، وهذا يستلزم أن تتباطأ الإلكترونات تدريجيًا إلى أن تصطدم بالنواة. وقبل الحرب العالمية الأولى بفترة وجيزة، استطاع «نيلز بور Niels Bohr» −وسوف يرد اسمه كثيرًا من الآن فصاعدًا− أن يبتكر نموذجًا لتفسير بنية ذرة الهيدروجين (التي تحتوي على إلكترون وحيد). يظل مدار الإلكترون في هذا النموذج ثابتًا ومستقرًا تحت شروط محددة. وحقق هذا النموذج نجاحًا ملحوظًا، لكنه فشل في تفسير خصائص الذرات التي تحتوي على أكثر من إلكترون، ولم يهتدِ إلى السبب الذي يؤدي إلى ثبات مدارات هذه الإلكترونات. وبعد عقد تقريبًا في أوائل العشرينات؛ طرح الفيزيائي الفرنسي «لويس دي بروي Louis de Broglie» فرضية ثورية: إذا كانت موجات الضوء تسلك أحيانًا سلوك الجسيمات؛ فهل من الممكن إذن أن تسلك الجسيمات الدقيقة −كالإلكترونات وأنوية الذرات− سلوك الموجات أحيانًا؟ ربما نفكر في إجراء تجربة الشق المزدوج باستخدام شعاع من الإلكترونات للتحقق من صحة هذه الفكرة الغريبة (كما في الصورة ١−٢). في ذلك الوقت لم يكن تنفيذ هذا ممكنًا من الناحية العملية؛ لأن الطول الموجي لشعاع الإلكترونات طبقًا لحسابات «دي بروي» كان قصيرًا للغاية؛ بحيث تكون حوافُّ نمط التداخل قريبة من بعضها للغاية فلا يمكن تمييزها. لكن تأكدت فكرة «دي بروي» بتجربة أخرى شبيهة؛ حيث انحرفت الإلكترونات بعد مرورها خلال بلورة مصنوعة من النيكل. ورُصد في تلك التجربة نمطٌ متباينُ الشِدَّةِ، وفُسَّر هذا النمط بأن تداخلاً ما قد حدث بين موجات الإلكترونات التي انحرفت بعد مرورها بمستويات الذرات المختلفة في البلورة؛ مما يؤكد أن شعاع الإلكترونات تصرَّف فعلاً كالموجات في هذا الموقف. وفي الآونة الأخيرة أصبح من الممكن أن يُوَّلد شعاعٌ من الإلكترونات بطول موجي يكفي لإظهار نمط التداخل في تجربة الشق المزدوج. ثم أجريت تجارب أخرى باستخدام النيوترونات والذرات والجزيئات وغيرها من الجسيمات، وتأكد أن جميعها يتصف بنفس الخصائص الموجية. كما تأكدت فرضية الطبيعة الموجية للجسيمات بشكل غير مباشر −وإن كان أكثر درامية− بعد قدرتها على تفسير البنية الإلكترونية للذرات. ويقع الشرح التام لهذه النقطة خارج نطاق كتابنا نظرًا لاستلزامه تحليلاً رياضيًا معقدًا. والخلاصة أن تلك الموجات المادية عندما تنحصر داخل منطقة من الفراغ فإنها تتخذ أطوالاً موجية محددة. ولتقريب المسألة يمكن أن نضرب المثال بوتر الكمان المشدود بقوة معينة وبطول معين فإنه سيصدر أنغامًا محددة فقط، وينطبق نفس المبدأ بالطبع على معظم الآلات الموسيقية. وبالجمع بين فرضية الموجات المادية، وبين قوة الجذب بين الإلكترونات السالبة الشحنة والنواة الموجبة الشحنة التي تتناسب عكسًا مع مربع المسافة بينهما؛ تنتج معادلة ذات حلول متعددة، تحدد هيئة موجات الإلكترونات في هذا الموقف. وتوضح حلول هذه المعادلة (المعروفة بـ «معادلة شرودنغر»، نسبة لـ «إرڤين شرودنغر Erwin Schrödinger») أن طاقة الإلكترون «مُكَمَّاة Quantized»(*). وينبني على ذلك أن طاقة الإلكترون داخل الذرة لا يمكن أن تقل عن الحد الأدنى المسموح (المعروف باسم «الطاقة الأرضية Ground State Energy»). وبهذا تنتهي مشكلة سقوط الإلكترون حلزونيًا في النواة. وبالإضافة لذلك؛ إذا أثيرت ذرة ما إلى مستوى معين من الطاقة أعلى من مستوى الحد الأدنى؛ فإنها ستعود للمستوى الأدنى مع انبعاث فوتون يحمل طاقة تساوي ذلك الفرق بين المستويين (انظر الصورة ١−٦). ورأينا سابقًا أن طاقة الفوتون تتناسب مع الطول الموجي لشعاع الضوء الذي يكوِّنه؛ ومن هنا نستنتج أن الضوء المنبعث من الذرات المستثارة سيكون ذا أطوال موجية محددة. كان هذا معلومًا بالفعل أن الضوء المنبعث من الذرات (في أنابيب التفريغ مثلاً) يتصف بتلك الصفة، وكان الانتصار الكبير لمعادلة شرودنغر أنها لم تفسر السبب وراء ذلك فقط، وإنما حددت بدقة تلك الأطوال الموجية المسموحة، التي وُجد أنها تتفق تمامًا مع التجارب. (*) مصطلح «القيم المكماة» يعني أنها قيم مجزأة منفصلة، كالأعداد الصحيحة. فإذا قلنا −مثلاً− إن مستويات طاقة الإلكترون مكماة؛ فمن غير الممكن أن تكون طاقة الإلكترون رقمًا بين هذه القيم. (المترجم) — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.