فلسفة

معيارية القابلية للتكذيب في فلسفة العلم

8 دقائق للقراءة
معيارية القابلية للتكذيب في فلسفة العلم

فقرات هامة عن معيارية القابلية للتكذيب في فلسفة العلم من كتاب (نحو منهج وصفي للعلم: نقد فلسفات العلم المعاصرة) للباحث رضا زيدان --------------- ج) هل يصلح معيار القابلية للتكذيب كمعيار للفصل بين العلم واللاعلم؟ في…

فقرات هامة عن معيارية القابلية للتكذيب في فلسفة العلم من كتاب (نحو منهج وصفي للعلم: نقد فلسفات العلم المعاصرة) للباحث رضا زيدان --------------- ج) هل يصلح معيار القابلية للتكذيب كمعيار للفصل بين العلم واللاعلم؟ في الواقع يمكن قراءة السؤال بطريقة جذرية وبطريقة ضعيفة، فيمكن أن يكون السؤال جذريا: هل هذا المعيار يحدد لنا العلم واللاعلم؟ ويمكن أن يكون السؤال أقل جذرية بكثير فيكون: هل نجح المعيار في إمدادنا بأداة منهجية للفصل بين النظريات العلمية وأي أفكار أخرى؟ المناسب لفلسفة بوبر ولدمجه بين المعرفة والعلم وعدم نبذه للميتافيزيقا (حتى وإن كان استخدامه للميتافيزيقا براجماتيا) هو الصيغة الضيعفة للسؤال. ومع ذلك فالإجابة على الصيغتين بالنفي، وذلك للانتقادات المركزية لفلسفة بوبر الذي يمكن تلخيصها في التالي: 1) اختبار القابلية للتكذيب بشكل كامل مستحيل: إن النظريات تتخذ صيغة التعميمات، وعندما نحاول منع شيء من الدخول في هذه التعميمات تظهر أمامنا مشكلة كبيرة، فمثلا النظرية التي تقول إن الحديد يتمدد بالحرارة إذا واجهت قطعة من الحديد تنكمش بالحرارة فقد نشك في أدوات القياس الانكماش وتغير الحرارة، وقد تكون النظرية صحيحة، لكن افتراضتنا المتعلقة الاختبار وقدرتنا على معرفة أن العينة حديد خاطئة. فنحن عندما نحاول اختبار نظرية ما بمقارنتها بملاحظاتنا يجب أن نأخذ عددا كبيرا من الافتراضات الإضافية كي نجعل النظرية والملاحظة في علاقة، فإذا أردنا أن نختبر ما إذا كان الحديد دائما يتمدد بالحرارة يجب علينا أن نضع افتراضات تتعلق بقدرتنا على إيجاد عينات خالصة من الحديد، ومن الممكن دائما أن نلوم الافتراضات الإضافية وليس النظرية نفسها التي نحاول أن نختبرها، وفي الحالات المتطرفة قد ندعي أن الملاحظة الظاهرة لم تُفهم جيدا أو وصفت بشكل خاطئ من قِبل الملاحظ. فكيف يمكننا إذن أن نستخدم الملاحظات لتكذيب النظريات على طريقة بوبر؟ وهذه المشكلة لا تخص القابلية للتكذيب فقط، بل هي مشكلة لنظرية العلم أيضا(1). وقد أدرك بوبر هذه المشكلة وكافح من أجل حلها، فقال بأن هذه الافتراضات الإضافية تخمينات يجب أن نحاول اختبارها بشكل منفصل، لكن بوبر يستنتج أن المنطق نفسه لا يمكنه أبدا أن يفرض على العالم أن يتخلى عن نظرية معينة، في مواجهة ملاحظات مستغربة. فمنطقيا، من الممكن دائما أن نلوم افتراضات أخرى متضمنة في الاختبار. واعتقد بوبر أن العالم "الجيد" هو الذي يريد أن يعرّض النظرية نفسها إلى الاختبارات، ولن يحاول التملص بافتراضات مساعدة. لكن ما فعله بوبر هو الانتقال من وصف طبيعة النظريات العلمية إلى وصف طبيعة السلوك العلمي. وبطريقة ما هذا انسحاب من هدفه الأول، الذي هو تخصيص النظريات العلمية بطبيعة معينة. أضف إلى ذلك أن بوبر يقبل أنه ليس بإمكاننا التأكد تماما فيما يتعلق بتقارير الملاحظة التي نستخدمها لتكذيب النظريات. ومن ثم علينا أن نعتبر قبول تقرير الملاحظة كـ "قرار" يتخذ بحكمة. وبمجرد اتخاذ هذا القرار يمكننا تكذيب أي نظرية تتعارض مع التقرير. ويؤكد بوبر على أن القيام بهذه القرارات المتعلقة بالملاحظات المنفردة مختلف حدا عن القيام بقرارات تتعلق بالنظريات نفسها. لكن ما نوع هذا الاختلاف؟ إذا كانت تقارير الملاحظة قائمة فقط على "قرارات"، وهي تحدد اختيارنا للنظريات، فكيف يكون هذا أفضل من الاختيار المباشر للنظريات نفسها دون الاهتمام بالملاحظة؟(2) أضف إلى ذلك أن "الاهتمام الذي يوليه بوبر لقرارات الأفراد الواعية، ليحمل عنصرا ذاتيا يدخل في تضاد مع التخصيص اللاحق الذي سيخص به العلم واصفا إياه بأنه: (فعل من غير فاعل)"(3). إن أي حكم تقريري مثل (الحديد يتمدد بالحرارة) قابل للتكذيب، متى استطعنا أن نثبت أنه يوجد حديدة واحدة لا تتمدد بالحرارة، لكن هذا النموذج التكذيبي مفرط في البساطة، لأنه يخفي صعوبة جدية تقف في وجهه، وهي صعوبة ترجع إلى تعقد كل وضعية من وضعية الاختبارات الواقعية. فالنظرية تتألف من سلسلة من المنطوقات الكلية، وليس من منطوق أو عبارة وحيدة مثل الحكم التقريري المذكور. ولما كان على أي نظرية من النظريات أن تخضع لاختبار تجريبي فإنه ينبغي اللجوء إلى شيء آخر أكثر من المنطوقات المكونة للنظرية المعينة: أي إلى فرضيات إضافية أو فرضيات مساعدة، وهي مثلا القوانين والنظريات التي تحكم استعمال الأدوات المستخدمة. علاوة على ذلك، فلكي نستنتج توقعا ينبغي أن نخضع صلاحيته للاختبار التجريبي، سيكون علينا أن نضيف شروطا ابتدائية، مثل وصف الجهاز التجريبي، فلنفترض مثلا أننا نختبر نظرية فلكية، بملاحظتنا لموقع كوكب من الكواكب، بواسطة التلسكوب. إن على النظرية أن تتوقع الاتجاه الذي سنوجه فيه التلسكوب، لكي نرى الكوكب في لحظة معينة. والمقدمات التي قمنا بالتوقع انطلاقا منها، تشتمل على شبكة من المنطوقات التي تكون النظرية المطلوب اختبارها، وعلى الشروط الابتدائية التي هي المواقع السابقة للكوكب وللشمس، وعلى فرضيات مساعدة كتلك التي تشير إلى التصحيحات التي يجب إجراؤها، لكي يؤخذ في الاعتبار انكسار ضوء الكوكب داخل جو الأرض وغير ذلك. وإذا ما ظهر أن التوقع المستنبط من هذه المقدمات خاطئ (وفي مثال هذا: إذا لم يظهر الكوكب في الموقع المنتظر) فسيكون من الجائز منطقيا أن نستنتج أن إحدى المقدمات على الأقل لابد أن تكون خاطئة. لكن ليس بأيدينا وسيلة لتعيين أي المقدمات خاطئة. فالنظرية المطلوب اختبارها هي التي يمكن أن يكون بها نقص، ولكن ربما يكون التوقع غير الصحيح صادرا عن فرضية مساعدة أو عن جزء من أجزاء وصف الشروط الابتدائية. وهكذا يستحيل تكذيب نظرية ما بكيفية حاسمة، ذلك لأننا لا نستطيع أن نلغي إمكانية كون فشل التوقع متأتيا من أي جزء من أجزاء الوضعية المعقدة التي تم إخضاعها للاختبار، مضاف إلى النظرية نفسها. وتاريخ علم الفلك حافل بالأمثلة التي توضح هذه النقطة. ويستمر آلان شالمرز في شرحه للمشكلة بمثال تخيلي ذكره فيلسوف علم آخر، وهو حالة سلوك منحرف لكوكب من الكواكب. فلو افترضنا عالما فيزيائيا ينتمي لما قبل عصر أينشتاين، فإنه سوف يتخذ نقطة انطلاقه، في هذا المجال: من الميكانيكا النيوتنية، ومن قانونها المتعلق بالجاذبية ونرمز إلى ذلك بـ (أ)، ومن شروط ابتدائية نرمز إليها بـ (ب)، وسيقوم انطلاقا من ذلك بحساب مسار كوكب صغير تم اكتشافه حديثا نرمز إليه بالرمز (ج). إلا أن هذا الكوكب ينحرف عن مساره المحسوب. فهل سيتعثر عالمنا الفيزيائي النيوتني أن هذا الانحراف، الذي تستبعده نظرية نيوتن، يدحض، بعد الفراغ من إثباته النظرية (أ)؟ كلا، إنه سوف يفترض بأنه لابد أن هناك كوكبا (ج) ظل مجهولا حتى الآن، هو الذي يحدث الاضطراب في مسار الكوكب (ج). وسيقوم بحساب كتلة هذا الكوكب المفترض (ج*)، ويطلب من عالم فلكي يمارس التجريب أن يختبر فرضيته. والكوكب (ج*) هو من الصغر بحيث لا تستطيع حتى أقوى التلسكوبات المتوفرة أن تظهره للملاحظة، فيحرر العالم الفلكي التجريبي طلبا بتخصيص اعتمادات مالية تخصص لصنع تلسكوب أعظم وأقوى، وبعد ثلاث سنوات أصبح مثل هذا التلسكوب جاهزا. فلو تحقق بالفعل، اكتشاف الكوكب (ج*) بواسطة هذا التلسكوب الجديد لوجب تخليد هذه الواقعة بوصفها انتصارا جديدا لميكانيكا نيوتن. غير أن الأمور لم تجر على هذا النحو. فهل سيهجر عالمنا الفيزيائي نظرية نيوتن ويتخلى عن فرضيته القائلة بوجود كوكب يحدث الاضطراب في مسار الكوكب (ج)؟ كلا. إنه سيفترض أن سحابة غبار كوني تحجب عنا ذلك الكوكب. وسيحسب موقع هذه السحابة ويحدد خصائصها، ويطلب تخصيص اعتمادات للبحث لإرسال قمر صناعي قصد اختبار صحة حساباته. وبالمثل إذا لم يعثر على السحابة المفترضة فلن يتخلى ذلك الفيزيائي عن فرضيته، بل سيفترض مجالا مغناطيسيا يحدث الاضطراب في الكون والخلل في أدوات القمر الصناعي... إلخ. توضح هذه القصة كيف يمكن لنظرية عليمة ما أن تكون دائما في مأمن من التكذيب، وذلك بتحريف اتجاه التكذيب نحو جزء آخر مختلف تماما من أجزاء عقدة مركبة من الفرضيات(4). ولا ينفع بوبر الاستناد إلى الثقة في العلماء وقرارهم الحصيف، لأن هذا أمر ذاتي يرفضه بوبر كتبرير عقلاني للعلم. ومن الناحية الواقعية فقد تم تكذيب نظرية الجاذبية النيوتنية في السنوات التي أعقبت صياغتها بملاحظات تتعلق بمدار القمر. وبعد خمسين عاما انهارت تلك الملاحظات، قبل إلغاء هذا التكذيب نهائيا لإرجاعه إلى عوامل أخرى مغايرة للنظرية النيوتنية. وبعد ذلك تبين أن هذه النظرية غير متوافقة مع القيم العديدة التي تم التوصل إليها في حساب مسار الكوكب عطار، ومع ذلك فإن العلماء لم يتخلوا عنها بسبب ذلك، إلا أن هذا التكذيب لم يتوصل أبدا إلى تفسيره على نحو من شأنه أن يحفظ نظرية نيوتن. مثال آخر من نظرية حركة الغازات، فعندما نشر ماكسويل الصيغة الأولى المفصلة لنظرية حركة الغازات كُذبت هذه النظرية بالقياسات الكمية التي أجريت على الحرارة النوعية للغازت، وبعد ثمانية عشرة سنة كتب معلقا على نتائج نظريته: "إن بعض هذه النتائج تبدو لنا بدون شك مرضية، في إطار الحالة الراهنة لمعرفتنا المتعلقة بتركيب الأجسام، ولكن هناك نتائج أخرى ربما ستقودنا في النهاية من كل هذه الفرضيات التي وجدنا فيها حتى الآن ملاذا، نحو هذا الجهل الواعي بصورة كاملة، والذي يشكل افتتاحية أو مقدمة لكل تقدم حقيقي للمعرفة". إن جميع التطورات الهامة التي تم القيام بها داخل النظرية الحركية للغازات، قد حصلت انطلاقا من هذا التكذيب. وإننا لنهنئ أنفسنا مرة أخرى على أن هذه النظرية لم يتخلى عنها بسبب التكذيبات المتولدة من القياسات الكمية التي أجريت على الحرارة النوعية للغازات على منهج بوبر(5). إن كون اختبار القابلية للتكذيب ليس حاسما تماما كان أمرا فاصلا للحد من التلقي السعيد من العلماء وغيرهم لهذا المعيار، يقول ألكس روزنبرج: "إن الاعتراف بأن دور الفرضيات المساعدة يجعل التكذيب القاطع مستحيلا هو أمر قد حد من تأثير آراء بوبر على الفلاسفة"(6). — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid02RagtAnyzUG6BdQAQYdbdjpPu2dJKm4Ekrb7zxxVx88RqztUvuLmcrh2t2qcWQ12Xl

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.