
بغض النظر عن أن هذا الكلام لا ينبغي أن يخرج إلا من ملحد، إلا أنه على أية حال عارٍ عن الصحة تماما، بغض النظر عن قائله. هناك الفلسفة المادية العلمية، الفكرة التي ترى أن العلم محصور في التفسيرات المادية، وهي الفكرة…
العلم ليس ماديا، العلوم ليست مادية، وبالتأكيد مصادر العلوم ليست إلحادية.
بغض النظر عن أن هذا الكلام لا ينبغي أن يخرج إلا من ملحد، إلا أنه على أية حال عارٍ عن الصحة تماما، بغض النظر عن قائله.
هناك الفلسفة المادية العلمية، الفكرة التي ترى أن العلم محصور في التفسيرات المادية، وهي الفكرة المسيطرة على المجتمع العلمي حاليا؛ على المؤسسات الضخمة المانحة للتمويلات البحثية؛ والمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية التي تعطي الاعتمادات وتمنح الجوائز، ولكن هذا لا يعني بأي حال بأن العلوم نفسها مادية!
أن تقول بأن العلوم نفسها مادية وإلحادية، فهذا يعني أنك تسلم بصحة أن الأشياء المادية المرصودة والقوى الفيزيائية هي الحقائق الوحيدة. أما العقل والإرادة الحرة والمشاعر والقيم والروح والإله، عبارة عن أوهام.
العلم اليوم يحكم بواسطة الفلسفة المادية، ولكن هذا لا يعني بحال أن العلم نفسه مادي، لم يكن العلم ماديا يوم أن ظهر على أيدي المؤمنين، ولن يصبح ماديا وهو يحكم اليوم بواسطة الملحدين واللادينيين... لماذا؟
لأنه، وبمنتهى البساطة، الممارسات العلمية ليست مادية أو الحادية في أصلها، تجميع المشاهدات ليس ماديا ولا إلحاديا، وضع الافتراضات التفسيرية ليس ماديا ولا إلحاديا في الغالبية العظمى من التخصصات العلمية، ترجيح الافتراض الأكثر قدرة على تفسير المشاهدات ليس ماديا ولا إلحاديا. متى يظهر الإلحاد إذن؟
يظهر فقط في حالتين؛ 1) التوظيف الأيديولوجي لمعطيات ونتائج العلم، كما نرى في بعض التوظيفات الأيدولوجية لمدرسة كوبنهاجن في الكوانتم. 2) التنظير المادي الإلحادي من ممارسي العلوم الملحدين، كما نرى في بعض التنظيرات المادية/الطبيعانية من علماء البيولوجيا والفيزياء والأعصاب الملحدين.
إذن نحن نتحدث عن إلحاد على هامش الممارسة العلمية، ومهما بلغت نسبة تلك التوظيفات أو التنظيرات من إجمالي الممارسات العلمية، فهي لن تتسبب أبدا في إعطاء الانطباع المغلوط الذي يجعلك تظن أن العلوم كلها إلحادية، لكن سبب ذلك الانطباع شيء مختلف تماما، وهذا هو الأهم في القضية.
الأمر كما يقول جيبرسون ويوركسا: "لا يوجد فرد واحد بارز بين المتصدرين لشرح العلم بالطريقة الشعبية (popularizer of science) يتبنى بشكل علني الآراء الدينية التقليدية، وهناك القليليون جدا ممن يتنبى الآراء التي يمكن أن توصف بأنها دينية". ويكملان أن العديد من هؤلاء الكتّاب "يعادون الأديان التقليدية بقوة، وملتزمين بتوضيح أن العلم ليس فقط يفشل في إثبات أية منظورات دينية، لكن يمكنه فعلا أن يعري ويدحض أي منظورات دينية في العالم".(1)
هذا الانطباع الذي يصلك عن العلم من أمثال ريتشارد دوكينز وجيري كوين ونيل تايسون ولورانس كراوس وغيرهم، مجرد دعاية مضللة لفلسفة ساقطة. ولكن الانتشار الإعلامي الضخم لمشعبني العلوم الملحدين، هو السبب في انتشار الانطباع المكذوب عن أن العلم نفسه إلحادي.
إن مقارنة بسيطة بين التخصصات التي يظهر فيها التنظيرات والتوظيفات الإلحادية، وبين بقية التخصصات العلمية (والتي يندر فيها أصلا التبعات الدينية)، تظهر لك مدى سخافة القول بأن العلوم كلها مادية ومصادرها كلها إلحادية...
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في الديناميكا الفلكية أو البحث في قوانين الحركة وعلاقتها بالصواريخ والمركبات الفضائية؟
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في الباثولوجيا أو دراسة مسببات الأمراض؟
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في الكيمياء التحليلية أو دراسة التركيب الكيميائي للمواد الطبيعية والاصطناعية؟
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في الجيوفيزياء أو دراسة باطن الأرض وطبقات الصخور من الناحية الفيزيائية؟
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في الجغرافية المناخية أو دراسة الغلاف الغازي وعناصر المناخ والطقس؟
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في علم الأوبئة أو دراسة مسببات انتشار الأمراض في المجتمعات المختلفة؟
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في التكنولوجيا الحيوية أو دراسة عالم الأحياء بهدف استكشاف التطبيقات التكنولوجية والصناعية المحتملة؟
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في الإيثولوجيا أو دراسة علم سلوك الحيوان؟
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في الكيمياء الحيوية أو دراسة التراكيب الكيميائية لأجزاء الخلايا الحية؟
أين الإلحاد أو الفلسفة المادية في فيزياء البوليمرات؟
في ديناميكا المحركات؟
في الكهرومغناطيسية؟
والقائمة قد تطول حتى تنتهي المساحة المخصصة للكتابة!
في مقابل القدر الضخم من التخصصات العلمية البعيدة عن التبعات الدينية، تجد الإلحاد يطفو على السطح فقط عند الحديث عن نشاة الكائنات الحية؛ عند الحديث عن الداروينية، أو عن نشأة الكون؛ عند الحديث عن الأكوان المتعددة أو نماذج التضخم أو الأوتار، أو عند المحاولات المستمية لتفسير العمليات العقلية والمشاعر والوعي من خلال التفاعلات الكهروكيميوعصبية. ومن ثم، لا يسع المنصف إلا أن يرى الإلحاد متطفلا على الممارسة العلمية، حتى لو كان الملحدون هم من يسيطرون اليوم على إدارة المؤسسات العلمية وهم المرحب بهم فقط في ساحات الإعلام.
بعد أن أطلق القاضي جون جونز حكمه على نظرية التصميم الذكي بأنها غير علمية في 20 ديسمبر 2005، كتب د. مايكل بيهي مقالا، ووضع في نهايته الخلاصة:
"بعد يوم من إصدار حكم القاضي، في 21 ديسمبر 2005، وكما كان الأمر يسري سابقا، تسير الخلية بتعقيد مدهش وآلية وظيفية، والتي كان سيدرك كونها مصممة في أي سياق آخر. في 21 ديسمبر 2005، وكما كان الأمر يسري سابقا، لا يوجد أي تفسير للآلية الجزيئية في الحياة بخلاف التصميم إلا التكهنات الحالمة والقصص المختلقة".(2)
الأمر نفسه ينطبق هنا، ليأخذ الملحد وقته في إدارة الساحة العلمية كما يريد، ولينشر أفكاره إعلاميا كما يشاء، ولكن في النهاية، ستظل الحقيقة كما هي، العلوم ليست إلحادية، وعند التحقيق، العلم يهدم الأسس الإلحادية.
الهوامش:
(1) Karl W. Giberson, Donald A. Yerxa, Species of Origins: America's Search for a Creation Story, Rowman & Littlefield Publishers, Inc. (October 9, 2002), p122.
(2) د. مايكل بيهي، إعادة المحاكمة: القصة الخفية لقضية دوفر، هل التصميم الذكي علم أم لا؟، مركز براهين 2017، ص100.
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid0278krqFqyERQm13DZWqkXFSzbRTyrebNp9Uoxkah9GkiPGfkvFTnptX5CyDuMDMK4l
