
وهذا ما لم يفهمه أحد أفضل من داروين نفسه. فمباشرة بعد أن فسر أن كل كائن حي "عليه أن يكافح من أجل الحياة، وأن يعاني التعرض للهلاك"، أنهى داروين هذا الفصل (صراع الوجود) بملاحظة مطمئنة: "عندما نتفكر في هذا الصراع، يمكن أن…
تتعلق الداروينية بالحياة والموت. وهذا ما لم يفهمه أحد أفضل من داروين نفسه. فمباشرة بعد أن فسر أن كل كائن حي "عليه أن يكافح من أجل الحياة، وأن يعاني التعرض للهلاك"، أنهى داروين هذا الفصل (صراع الوجود) بملاحظة مطمئنة: "عندما نتفكر في هذا الصراع، يمكن أن نعزي أنفسنا بإيماننا التام بأن حرب الطبيعة ليست دائمة، كما أننا لا نشعر بالخوف من هذه الحرب، كما أن الموت عمومًا يأتي بغتة، وأن الأقوياء الأصحاء السعداء سينجون ويتكاثرون". قلبت هذه الملاحظة الأمر لصالح صراع الوجود، " القانون الذي سيقود تطور كل الكائنات الحية؛ سيقود تطورها وتكاثرها وتنوعها، ليدع الأقوى يعيش والأضعف يموت".(1) ورغم تصريحه الرافض لوجود أي هدف أو غاية وراء التطور، إلا أن داروين لم يستطع أن يقاوم عقيدة أواسط العصر الفيكتوري في التطور، حيث أظهرت هذه الفقرات نظرتهم لزيادة معدلات الصحة والقوة بل والسعادة أيضًا.
أحد مظاهر الداروينية المخادعة كما يبدو لي أنها تقدم حلًا لادينيًا لمسألتي الشر والموت. في الواقع لم يكن مجرد حلًا، بل إنها منحت الداروينيين الأمل والحافز بأن الألم والموت سيثمر التطور في النهاية. اعتبر داروين أن كلًا من الموت والهلاك محركًا للتطور والارتقاء، كما نرى في الجملة قبل الأخيرة من كتابه (أصل الأنواع): "لذا حرب الطبيعة والمجاعات والموت سيتبعها مباشرة ظهور أعظم عضو نستطيع أن نتصوره، وهو ما أسميه إنتاج الحيوانات الأعلى رتبة".(2)
- د. ريتشارد وايكارت، من داروين إلى هتلر: الأخلاق التطورية واليوجينيا والعنصرية في ألمانيا، مركز براهين 2019، ص110.
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid02eXj5iYJ6sDUq9vAp5RUh31qKscfz5fBFyM6rmD9Sse2MmoPdgyFguRnpKvWx43pRl
