ردود

النقل داخل السوطي: اكتشاف كوزمنسكي

3 دقائق للقراءة
النقل داخل السوطي: اكتشاف كوزمنسكي

كان كيث كوزمنسكي Keith Kozminski عام 1993 يجرّب مجهرًا جديدًا مبهرًا، وكان حينها طالب دراسات عليا في جامعة ييل.1 وكان في هذا المجهر جميع أشكال الكماليات، ومن بينها القدرة على إجراء تصوير فيديو للخلايا بالوقت الفعلي…

كان كيث كوزمنسكي Keith Kozminski عام 1993 يجرّب مجهرًا جديدًا مبهرًا، وكان حينها طالب دراسات عليا في جامعة ييل.1 وكان في هذا المجهر جميع أشكال الكماليات، ومن بينها القدرة على إجراء تصوير فيديو للخلايا بالوقت الفعلي. ركّز كوزمنسكي بؤرة المجهر على هدب الطحلب وحيد الخلية المتلحفة Chlamydomonas وصوّر فلمًا لما لم يشاهده أحد قبل في تاريخ العالم. فقد كانت سلسلة من النتوءات تتحرّك صعودًا على جانب واحد من الهدب ونزولًا على الجانب الآخر – كقشعريرة جلدٍ متنقّلة! يمكنك مشاهدة فيديو مصور لهذه الحركة المدعوّة "بالنقل داخل سوطي intraflagellar transport" (يدعى اختصارًا IFT؛ بصورة مربكة، تُسمى الأهداب "سياطًا" أحيانًا، وبالتالي جاءت التسمية "داخل سوطي") على شبكة الإنترنت. النقل داخل السوطي IFT هي الآلية التي تبني وتحافظ على الهدب، وإذا قطع الهدب من خلية المتلحفة، ينشأ هدب آخر خلال ساعة أو ما يقارب ذلك. خلال تلك الساعة يمكن ملاحظة عوامات الـIFT الصغيرة تجري صعودًا بنشاط على أحد جانبي من الهيكل النامي ونزولًا على الجانب الآخر. لكن إن عطّل أحد المكوّنات البروتينية أو أكثر في الـIFT عمدًا، وذلك بالتلاعبات المخبرية الذكية، فلن يعاد بناء الهدب المبتور حينها. غالبًا ما تجمّع المواد مسبقًا في البناء من أسفل لأعلى –من أعلى لأسفل وتجلب إلى موقع البناء لأن ذلك مناسبٌ أكثر. وقد كان ذلك ما حدث بالتأكيد في برج قاعة آياكوكا، وهذا ما يحدث في حالة الهدب. قبل البدء ببناء هدب جديد، تجلب المواد الخلوية إلى موقع التجميع بالقرب من أسفل ما سيصبح هيكلًا جديدًا. بالطبع في مشاريع البناء البشرية يعلم العمّال الواعون أيّ موادٍ يحتاجونها، ويميّزونها، ويجلبون إلى موقع البناء المواد المطلوبة فقط. أما في حالة الخلية، فيجب أن يُجرى كلّ ذلك بآليات تلقائية عالية التعقيد. وقد افترض بأنّه في منطقة بالقرب من قاعدة الهدب الجديد، تعمل أشياء تسمّى "ألياف الانتقال transition fibers" كمراشح لطرد المواد غير المطلوبة والتي من المحتمل أن تكون مخرّبة. جادل دوغلاس كول Douglas Cole من جامعة ايداهو بأنّه إن كان الأمر كذلك – أي إن كانت مواد البناء تحتاج لتذكرة دخول للوصول إلى الهدب –فلن يُسمح لأيّ مواد جديدة بتجاوز منطقة الانتقال للوصول للهدب إن عطّل الـIFT تجريبيًا. وهذا ما لوحظ تمامًا في عديد من طوافر المتلحّفة.3 لا تزال التفاصيل الدقيقة لآلية التصفية غير معلومة بعد، ولكن يمكنك أن تثق بأنّها لن تكون بسيطة. كجميع المقارنات، لا تتحقق مقارنة بناء الهدب بمشروع البناء البشري في عدة جوانب، وجميعها مؤكدة لمدى تفوق عظمة تعقيد البناء الخلوي. وسأشير هنا لناحية واحدة فقط. رغم أنّ فريق البناء البشري يغادر مشروع البناء بمجرّد انتهائه، لكنّ ذلك ليس الحال في الخلية. إن عطّل الـIFT اختباريًّا في خلية ذات هدب كامل ومكتمل بالأصل، يبدأ عندها الهدب فورًا بالقِصَر إلى أن يختفي. فعمل الـIFT مستمر عبر كامل حياة الهدب، ولا يجلب باستمرار نسخًا جديدة من مكوّنات الهدب فحسب، بل يزيل المواد القديمة أيضًا. أثبتت التجارب أنّ في الأهداب الثابتة ظاهريًا التي يظل طولها ثابتًا، يتمّ تبادل ما يزيد على ثمانين نوعًا مختلفًا من البروتينات في فترة تستغرق عدّة ساعات فيما يصل قدره إلى 20 بالمئة من كتلة الهدب. يتصوّر النموذج الحالي للـIFT أنّ عربات الشحن في بداية البناء تكون مليئة غالبًا. وبعد إتمام البناء يستمر الرتل بالقدوم بنفس المعدل تقريبًا ولكن بعض العربات فارغة الآن. حيث تستشعر على ما يبدو آلية تحويل مجهولة حتى الآن مقدار المواد التي يحتاجها الهدب في أيّ لحظة معيّنة وتبدّل نسبة عربات الشحن بين "القادرة على الشحن" و"غير القادرة على الشحن" وفق ما تتطلبه الحاجة. وبعكس برج قاعة آياكوكا، يعدّ الهدب بنية ديناميكية، حيث تتبدّل فيه بفاعلية كثير من أجزائه البروتينية بالاستجابة للظروف الداخلية والخارجية المتبدّلة. - د. مايكل بيهي، حافة التطور: البحث عن حدود الداروينية، ص127 للمزيد: https://braheen.com/publications/حافة-التطور-البحث-عن-حدود-الداروينية — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.