
تواجه الآليات الداروينية عددا من العقبات أثناء محاولتها تنسيق التغيرات التطورية الناجحة الضرورية لتطوير الآلات الجزيئية المعقدة غير القابلة للاختزال، ومن هذه العقبات: - التوافر Availability: هل الأجزاء التي سيتطور منها…
العقبات التي يجب على التطور اجتيازها
تواجه الآليات الداروينية عددا من العقبات أثناء محاولتها تنسيق التغيرات التطورية الناجحة الضرورية لتطوير الآلات الجزيئية المعقدة غير القابلة للاختزال، ومن هذه العقبات:
- التوافر Availability: هل الأجزاء التي سيتطور منها النظام الكيميائي الحيوي المعقد غير القابل للاختزال كسياط الجراثيم موجودة أصلا؟
- التزامن Synchronization: هل توجد هذه الأجزاء معا في الوقت المناسب لتتشارك في تطوير هذه البنى المعقدة؟
- التموضع Localization: حتى بتوافر هذه الأجزاء في الوقت المناسب لتشترك في تطوير النظام المعقد، هل تستطيع هذه الأجزاء أن تنفصل عن الأنظمة التي تشارك في تكوينها سابقا دون أن تضر تلك الأنظمة لتصبح متوافرة للاشتراك مع غيرها لتطوير النظام المعقد في مكانه المحدد؟
- التفاعلات المتصالبة المتداخلة Interfering Cross–Reactions: وبفرض توافر الأجزاء المطلوبة في المكان والزمان الصحيحين، كيف يمكن استبعاد الأجزاء غير المطلوبة والتي ستخرب العمل من مكان بناء النظام قيد التطوير؟
- توافق الأجزاء Interface Compatibility: هل تتوافق سطوح الأجزاء التي يفترض أن تتشارك مع بعضها لتطوير نظام ما –كما تتعشق تروس الآلة– بعد تموضعها بشكل صحيح ليغدو النظام الناتج فعالا؟
- ترتيب التجميع Order of Assembly: بفرض توافر كل الأجزاء الصحيحة فقط في المكان المناسب والوقت المناسب وبفرض التوافق في السطوح أيضا، هل ستتجمع الأجزاء بالترتيب الصحيح لتشكل النظام الفعال؟
- التهيؤ Configuration: إن نجحت الأجزاء في التجمع بالترتيب الصحيح فهل ستتجمع بالطريقة الصحيحة –فراغيا– لإنتاج النظام الفعال؟
لتعرف أهمية تجاوز تلك العقبات تخيل أنك مقاول طلب منك أن تبني بيتا. لتنجح في بناء هذا المنزل يجب عليك أن تنجح في تجاوز كل تلك العقبات.
عليك أولا أن تعرف إن كانت كل المواد الضرورية لبناء المنزل –مثل الطوب والعوارض الخشبية وأسلاك الكهرباء والألواح الزجاجية والأنابيب– متوافرة في السوق ويمكن شراؤها،
ثم عليك ثانيا أن تتأكد من إمكانية حصولك على هذه المواد خلال فترة زمنية مناسبة. فلو فقد أحد هذه المواد فلن تستطيع أن تؤدي مهمتك كمقاول في الوقت المناسب. لذا فإن توافر هذه المواد يجب أن يكون متزامنا مع وقت الحاجة لها.
عليك ثالثا أن تنقل كل هذه المواد إلى مكان بناء المنزل.
عليك رابعا أن تبقي مكان البناء نظيفا من المواد الأخرى التي قد تسبب تخريبا في المنزل أو تتداخل في عملية البناء كإلقاء النفايات المشعة أو زرع ألغام فيه لأن هذا سيمنع الاستفادة من المنزل حتى لو تم البناء. وكأمثلة أقل تطرفا من ذلك نضرب مثالا أبسط كوجود كمية زائدة من الخردة في مكان البناء –مثل علب القصدير وأجزاء الألعاب وأوراق صحف مبعثرة–، عندها سيصبح من الصعب العثور على مواد البناء الحقيقية من بين كل هذا الركام بما يمنع من إتمام بناء المنزل. يمكن أن نقول :إن هذه المواد الموجودة في مكان البناء والتي تعوق عملية بناء البيت تقوم بتفاعلات متصالبة تتداخل في البناء وتعرقله.
خامسا لا يكفي الحصول على المواد الضرورية لبناء المنزل فقط؛ بل عليك كمقاول أن تتأكد من تلاؤم هذه المواد فيما بينها. صحيح أنك تحتاج إلى براغي وعزق وأنابيب وأنظمة مياه وأسلاك كهربائية مع المجرى الذي ستتموضع فيه؛ لكن إن لم يكن العزق ملائما للبراغي ولم تكن الأنابيب ملائمة لأنظمة المياه ولم تكن الأسلاك ملائمة لمجراها فلن تستطيع بناء بيت بشكل جيد. صحيح أن أي قياس من هذه المواد يمكن أن يستخدم في بناء البيوت المختلفة؛ لكن ما يهم هو أن تكون متلائمة لبناء هذا البيت تحديدا بشكل صحيح. أي لا يكفي أن تكون المواد مستخدمة في بناء البيوت بل يجب أن تبدي توافقا في السطوح لتعمل معا بشكل صحيح.
سادسا حتى بوجود كل المواد المطلوبة في المكان الصحيح فلا بد من التأكد من وضع كل هذه المواد بالترتيب الصحيح، إذ يجب في بداية بناء المنزل أن تبدأ بوضع الأساسات، إن بدأت برفع الجدران ثم حاولت أن تضع الأساسات فسيكون مصير المنزل الانهيار. يجب أن تجمع المواد الصحيحة بالترتيب الصحيح لإنتاج منزل جيد.
سابعا وأخيرا حتى إن كنت تجمع المواد الصحيحة بالترتيب الصحيح فلا بد من أن يتم ذلك بالطريقة الصحيحة. لهذا السبب عليك الاستعانة بالمهندسين وفنيي الكهرباء ومختصي أنظمة المياه من أجل جمع المواد الصحيحة بالترتيب الصحيح بالشكل الصحيح. فمثلا من الجيد تجميع الطوب بالطريقة الصحيحة لبناء الحائط؛ لكن إن تم ذلك بشكل مائل فإن أي دفعة للحائط ستؤدي إلى انهياره ولن تنجز بناء البيت بشكل صحيح. لا يكفي تجميع المواد بالترتيب الصحيح بل لا بد من صحة تموضع جميع القطع.
بعد كل هذه الدراسة وجدت كمقاول أن هذه العقبات يمكن تذليلها لأنك كعنصر ذكي تستطيع أن ترى الصورة كاملة وتعرف شكل المنزل النهائي وما الحاجيات التي عليك تأمينها لذلك، وتستطيع أن تنسق كل المهام بشكل يمكنك من تجاوز كل تلك العقبات فلديك خطة معمارية وتعرف ما هي المواد المطلوبة ومن أين تأتي بها وكيف توصلها إلى مكان البناء في التوقيت الصحيح. أنت تعرف أيضا كيف تؤمن المكان من السارقين والمخربين ومن الأنقاض والأحوال الجوية وأي شيء قد يخرب جهود البناء. أنت تعلم كيف تتأكد من تلاؤم المواد مع بعضها ليتم جمعها معا بالترتيب الصحيح. ومن خلال توظيف العمال المختصين –مقاولين فرعيين كالمهندسين– سيتم تجميع المواد بالتهايؤ الصحيح. كل ذلك ناتج من كونك إنسانا ذكيا تعرف كيف تبني منزلا.
لكن الآليات الداروينية –الانتقاء الطبيعي والتنوع العشوائي– لا تعرف من ذلك شيئا. كل ما تعرفه هو كيفية تعديل البنى الحيوية والمحافظة على هذه التعديلات التي تظهر منفعة لحظية للكائن الحي –بمعنى تحسين البقاء وزيادة النسل–. فالآليات الداروينية تعتمد على المكافأة الآنية. لو كانت هذه الآليات مقاولا للبناء لكانت بنت الجدار قبل وضع الأساسات نظرا للفائدة المرجوة من بناء الجدار في منع المخربين من دخول مكان البناء؛ لكن غياب الأساسات يعني فشل بناء المنزل. هكذا تعمل الآليات الداروينية ولهذا السبب فهي محدودة. لأنها تعمل كفني صيانة يقوم بالتجريب والخطأ ليحافظ على منفعة حالية ويحسنها أو يأتي بمنفعة جديدة آنية؛ لكنها لن تستطيع تقديم تضحيات كبناء الأساسات لتحقق هدفا مستقبليا لا يمكنها إدراكه.
تخيل الآن كيف ستستطيع الآليات الداروينية اجتياز هذه العقبات السبع لتطوير السياط الجرثومية. ستكون البداية انطلاقا من جرثوم لا يملك سوطا ولا يملك المورثات التي تشفر بروتينات السوط ولا حتى مورثات مماثلة homologous لتلك المورثات، يفترض أن يتطور هذا الجرثوم بمرور الوقت إلى جرثوم يملك مجموعة متكاملة من المورثات التي تنتج سوطا فعالا. هل تستطيع الآليات الداروينية أن تنسق كل الأحداث الكيميائية الحيوية المطلوبة لاجتياز العقبات السبع المذكورة لإنتاج السوط الجرثومي؟ إن الإجابة على هذا السؤال بنعم تعني منح الآليات الداروينية قدرة إبداعية وهو أمر لا يمكن التسليم به.
للمزيد: https://braheen.com/publications/التصميم-الذكي-ومفهوم-التعقيد-المحدد
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
