ردود

صعود جبل الاحتمال البعيد

4 دقائق للقراءة
صعود جبل الاحتمال البعيد

بواسطة التصميم؟ لا يبحث مؤيدو التصميم الذكي وحدهم عن التعقيد المحدد كمفتاح لتحديد وجود التصميم في الأنظمة الحيوية. لنأخذ الأحيائي بجامعة أوكسفورد ريتشارد دوكينز المصرح باعتراضه على التصميم الذكي أكثر من أي شخص آخر. حاول…

صعود جبل الاحتمال البعيد... بواسطة التصميم؟ لا يبحث مؤيدو التصميم الذكي وحدهم عن التعقيد المحدد كمفتاح لتحديد وجود التصميم في الأنظمة الحيوية. لنأخذ الأحيائي بجامعة أوكسفورد ريتشارد دوكينز المصرح باعتراضه على التصميم الذكي أكثر من أي شخص آخر. حاول دوكنز في كتابه (صانع الساعات الأعمى) أن يعلل كون الأنظمة الحيوية غير مصممة مسبقا بالرغم من إظهارها للتعقيد المحدد فيقول: "للأشياء المعقدة بعض المزايا المحددة سلفا ويبعد جدا وجودها بصدفة عشوائية فقط. في حالة الكائنات الحية تكون المزايا المحددة سلفا هي القدرة على تناقل المورثات بالتكاثر". ينسب دوكنز هنا التعقيد المحدد للكائنات الحية لكنه لا يستنتج من ذلك كونها مصممة ويعلل ذلك بأن الاحتمالات –وفق تقديره– ليست ضئيلة بما يكفي. فعلى سبيل المثال كتب في موضوع أصل الحياة: "يمكن أن نقبل في تفسيرنا هذا وجود بعض الحظ ولكن ليس الكثير منه. نسمح لأنفسنا في نظريتنا حول أصل الحياة أن نسلم بوجود شيء من الحظ. يعود هذا القدر من الحظ –بحده الأقصى– لعدد الكواكب المؤهلة للحياة في الكون. لذا يوجد تحت تصرفنا –إن أردنا استخدامه– أفضلية 1 في 10^20 كحد أقصى –وهو عدد الكواكب التي نتوقعها في الكون– إن احتاجت نظريتنا حول أصل الحياة إليها. وهذا هو الحد الأقصى من الحظ الذي يمكن قبوله في طرح النظرية. افترض مثلا أننا نحتاج لاقتراح بدء الحياة بصدفة أوجدت الدنا DNA وآلية تضاعفه المعتمدة على البروتين بشكل عفوي إلى الوجود. سنمنح لأنفسنا ترف قبول هذه النظرية المتطرفة –الشاذة– شرط أن يكون احتمال حدوثها على أحد الكواكب أكبر من10^20. كان دوكنز على حق هنا في أن افتراض الكثير من الحظ لن يكون تفسيرا علميا مقبولا وأن مقدار الحظ المقبول علميا يعتمد على عدد الفرص المتاحة. هذه الفرص التي سماها (نسبة الحظ) هو ما أسميناه بـ(المعطيات الاحتمالية). تحدد المعطيات الاحتمالية فيما إن كان الحدث الذي يبدو بعيد الاحتمال هو حقا بعيد الاحتمال بعد الأخذ بعين الاعتبار جميع الفرص المتاحة لحدوثه. وبالتالي إن رجح احتمال عدم الحدوث على المعطيات الاحتمالية –وهي نسبة الحظ عند دوكنز = 10^20 = عدد الكواكب المتاحة للحياة لتكون أصلا للحياة– فسيكون التفسير اعتمادا على الحظ أمرا غير كاف. يبني دوكنز كل دفاعاته عن نظرية التطور على إظهار أن احتمال تشكل أنظمة محددة التعقيد ليس ضئيلا كما يمكن أن يتوقع أحدنا للوهلة الأولى. ولهذا كتب كتابه (Climbing Mount Improbable). يقارن دوكنز في هذا الكتاب بين ظهور التعقيد الأحيائي وصعود الجبل. وسمى الكتاب بهذا الاسم لأنك إن أردت أن تتسلق الجبل بخطوة واحدة –أي أن توجد التعقيد الأحيائي الهائل دفعة واحدة– فسيكون الأمر بعيد الاحتمال لحد الاستحالة. لكن صعود الجبل ليس مستحيلا لأنك لست مضطرا لفعل ذلك دفعة واحدة –وفق رأيه–. توضح نظرية التطور ماهية الخطى بكونها صغيرة ومتدرجة لصعود الجبل. ووفقا لدوكنز فإن الجبل يحتوي عادة على طرق ملتوية تقود إلى القمة ويمكن أن تجتازها بخطوات صغيرة جدا؛ لكن هذا الادعاء يجب تمحيصه فمن المؤكد أن هذا الجبل الطبيعي الأحيائي شديد الانحدار من كل جوانبه والوصول للقمة من أسفله بخطوات صغيرة أمر مستحيل عمليا نظرا للفجوات الأصيلة الكبيرة بين المخلوقات الحيوية. لا بد أن تكون هذه الفجوات موجودة في الطبيعة حقيقة وليس فقط في تصورنا للطبيعة. يرفض دوكنز هذا الاحتمال. وعلى الرغم من أن الأنظمة الأحيائية تبدو بعيدة الاحتمال جدا إلا أن دوكنز يحاجج بأن التعقيد الأحيائي لم يحدث أبدا بخطوة وحيدة بل وفقا للآليات الداروينية في الانتقاء الطبيعي والتنوع العشوائي. إن هذه الآليات في نظر دوكنز تسلك طرقا ضئيلة الاحتمال في ظاهر الأمر، ثم لا تلبث أن تصبح في حيز الاحتمال، وبالتالي يمكن تفسيرها من غير حاجة إلى التصميم. أي أن آليات دوكنز الداروينية في التنوع العشوائي والانتقاء الطبيعي تعتمد بشكل أساسي استراتيجية فرق تسد لإنتاج التعقيد المحدد. بحسب توصيف دوكنز للآلية الداروينية، كل جيل من التاريخ التطوري للكائن الحي يتألف من دورة من التنوعات العشوائية والانتقاء الطبيعي ليكون خطوة صغيرة جدا في الطريق التطوري للكائن. وتستمر الآلية الداروينية بعملية التجربة والخطأ. فالانتقاء الطبيعي يقوم بالتجربة والتنوعات العشوائية تقوم بالخطأ. وكما يحدث مع كل الآليات المعتمدة على التجربة والخطأ، فإن الآلية الداروينية تعتمد على تحسنات تدريجية بطيئة. فلكي يتأتى نجاح العملية، فإنه لا بد من حدوث أعداد كبيرة من التقسيمات والسيطرات الصغيرة. هذه هي الآلية التي يصعد التطور بواسطتها لأعلى الجبل. تفسر الآلية الداروينية التعقيد المحدد بتقسيم الاحتمال المستحيل –تطوير النظام الحيوي– إلى سلسلة متتالية من الاحتمالات الممكنة، وبالتالي يمكن تجاوز الاستحالة بخطوات صغيرة جدا بمرور الزمن. سنبين في بقية هذا الفصل سبب العجز عن تجاوز العديد من الاستحالات الموجودة في الطريق التطوري بهذه الآلية، ونبين كيف يدل التعقيد المحدد لا على ظاهر تصميم الأنظمة الحيوية فحسب وإنما على حقيقة تصميمها أيضا. للمزيد: https://braheen.com/publications/التصميم-الذكي-ومفهوم-التعقيد-المحدد — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.