فلسفة

المذهب الوظيفي والحالات العقلية

3 دقائق للقراءة
المذهب الوظيفي والحالات العقلية

يسلّم المذهب الوظيفي بحقيقة أنه من المستحيل تحديد هوية أنواع الحالات العقلية بأنواع الميول السلوكية، لكن لا يزال يرغب في وصف الحالات العقلية من خلال الرجوع إلى السلوك، ولو بصورة غير مباشرة، ويحاول تحقيق ذلك من خلال…

يسلّم المذهب الوظيفي بحقيقة أنه من المستحيل تحديد هوية أنواع الحالات العقلية بأنواع الميول السلوكية، لكن لا يزال يرغب في وصف الحالات العقلية من خلال الرجوع إلى السلوك، ولو بصورة غير مباشرة، ويحاول تحقيق ذلك من خلال تمييز الحالات العقلية من حيث الأدوار أو الوظائف السببية التي يُعتقد أنها تلعبها في تحديد كيفية تصرف الموضوع في ظروف مختلفة، ووفقا لهذا المذهب هناك أنواع مختلفة من العلاقات السببية يمكن أن تشارك في صنع الدور السببي للحالة العقلية. أولا: هناك سبل خاصة يمكن فيها لحالات محيط موضوع ما أن تتسبب في أن يكون لدى هذا الموضوع أنواع معينة من الحالات العقلية، كما هو الحال عندما تصاب ساقه بأذى، مما يسبب شعوره بالألم، أو عندما يسقط ضوء على عينيه مما يسبب شعوره بخبرة حسية بصرية. ثانيا: هناك سبل خاصة يمكن فيها لنوع معين من الحالات العقلية أن تتفاعل سببيا مع حالات عقلية أخرى في نفس الموضوع، كما هو الحال عند الشعور بالألم في ساق الذي يسبب اعتقادا بأن قدمه قد أصيبت، أو عند تسبب الخبرة البصرية في الشعور بأن الشخص قد رأى شيئا ما. ثالثا: هناك سبل خاصة يكون فيها نوع معين من الحالات العقلية قادر على الإسهام سببيا في سلوك جسم الموضوع، كما هو الحال عندما يعتقد شخص ما بأن ساقه قد أصيبت مع رغبته في تخفيف الألم المترتب عليها فيتسبب ذلك في حك الجزء المصاب أو سحب الساق من الأذى. وبالتالي قد تقول الوظيفية –بشكل عام– أن الدور السببي للشعور بالألم في الساق هو علامة على حدوث إصابة جسدية في الساق، مما يتسبب في الاعتقاد بحدوث هذه الإصابة، ومن ثم يساعد في جعل المرء يتصرف بهذه الطريقة كي يصلح ما حدث، وتجنب أي إصابة أخرى مشابهة. ويقوم المذهب الوظيفي على تشبيه أساسي بين العقل والحاسوب، فهذا المذهب استلهم أصل فكرته من اندلاع الاهتمام بالحوسبة في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، في الواقع بالنسبة لكثير من الوظيفيين ليس هذا مجرد تشبيه، لأنهم يعتقدون أن الدماغ الإنساني فعلا كمبيوتر بيولوجي صُنع على مدار دهور من التطور بالانتقاء الطبيعي. يقول هيلاري بوتنام، والذي كان من رواد المذهب الوظيفي ثم تراجع عنه: "يمتلك الحاسوب خصائص فيزيائية كثيرة، فله وزن مثلا وله عدد معين من الموصلات..إلخ، وله أيضا خصائص اقتصادية، ثمنه مثلا، وله كذلك خصائص وظيفية ككونه يمتلك برنامجا معينا. غير أن هذا النمط الأخير من الخصائص ليس فيزيائيا، لأنه يقبل التنفيذ بواسطة أنساق مختلفة على نحو مستقل عن تكوينها الميتافيزيقي أو الأنطولوجي، فيمكن للذهن مفصول عن الجسد أن يكون له برنامج معين، ويمكن لدماغ أن يكون له البرنامج نفسه، ويمكن لآلة أن يكون لها البرنامج نفسه كذلك، فكل هذه الأطر تكون ذات تنظيم وظيفي واحد لكنها ذات تكوين فيزيائي متباين". ووفقا لهذه الرؤية، فكما أن الوظيفة البيولوجية للقلب هي توزيع الدم في أنحاء الجسد، ومن ثم يبقى مؤكسدا ومتغذيا، فكذلك الوظيفة البيولوجية للدماغ هي جمع معلومات من بيئة الجسد، و"معالجة" هذه المعلومات وفق "برمجيات" معينة. ويضرب هذا المذهب الذكر صفحا عن طبيعة العقل والحالات العقلية ويستبدل ذلك بوظيفة العقل، وكما أن الممكن استبدال كافة المكونات المادية للحاسوب بمكونات أخرى ويظل منتجا لنفس العمليات الحاسوبية؛ يمكن أيضا تصور العقل بشكل أوسع من البنى البيولوجية والعصبية. للمزيد: https://braheen.com/publications/الأخلاق-العصبية-نقد-اختزال-علم-الأعصاب-المعرفي-للأخلاق — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.