علوم

المشابك العصبية: لقاء خليتين عصبيتين

4 دقائق للقراءة
المشابك العصبية: لقاء خليتين عصبيتين

مثل ماذا؟ مثل العواطف والذكريات والإدراك، نرجو فقط ألا يفهم من كلامنا أي اختزالية لتلك الوظائف العقلية، وإنما كلامنا منحصر في دراسة الشروط الضرورية الواجب توافرها في الدماغ البشري لكي نتمكن من القيام بتلك الوظائف بشكل…

لقاء ليس كأي لقاء، لقاء سيتحدد عليه الكثير... مثل ماذا؟ مثل العواطف والذكريات والإدراك، نرجو فقط ألا يفهم من كلامنا أي اختزالية لتلك الوظائف العقلية، وإنما كلامنا منحصر في دراسة الشروط الضرورية الواجب توافرها في الدماغ البشري لكي نتمكن من القيام بتلك الوظائف بشكل صحيح. واللقاء الذي نتحدث عنه الآن هو التقاء خليتين عصبيتين (أو عصبونين Neurons)، فيما يعرف بالمشابك العصبية (أو التشابكات العصبية Synapses) وهي مكونات أساسية للخلايا العصبية تسمح للمعلومات بالانتقال بشكل منسق عبر الجهاز العصبي. غالبية الخلايا العصبية هي خلايا مستقطبة. أي أن لديهم جزء واحد من الخلية لتلقي المدخلات وجزء آخر لإرسال المخرجات. تسمى أجزاء الخلايا المتخصصة لتلقي المدخلات من الخلايا الأخرى بالزوائد الشجرية أو الزوائد العصبونية أو التغصنات Dendrites. تأتي كلمة dendrite بالإنجليزية من الكلمة اليونانية dendron، والتي تعني "شجرة". فللزائدة الشجرية بنية متفرعة شبيهة فعلا بالأشجار. يتم تمرير إشارة تستقبلها الزائدة الشجرية إلى جسم الخلية. إذا كان هناك استقطاب كافٍ لغشاء جسم الخلية لبدء جهد الفعل action potential، فسيتم إرسال جهد الفعل إلى أسفل المحور العصبي. ثم يحمل المحور العصبي جهد الفعل إلى خلية عصبية أخرى. هناك نوعان من المشابك؛ المشابك الكهربائية، والمشابك الكيميائية. المشابك الكهربائية أقل شيوعًا في أنظمتنا العصبية. لكن سنبدأ بها لأن شرحها أسهل. فالمشابك الكهربائية (كما في الصورة) هي أساسًا مسام بين خليتين تسمحان بمرور الأيونات. ومن ثم تسمح بمرور الإشارة الكهربائية إلى خلية مجاورة دون الكثير من الصخب. هناك الكثير من الأسباب التي تجعلنا في احتياج إلى مشابك مثل هذه، فهي سريعة، وتسمح للخلايا بالاقتران مع درجة عالية من التزامن. لكن معظم الخلايا العصبية مرتبطة ببعضها البعض بواسطة بنية أكثر تعقيدًا تسمى المشبك الكيميائي. في المشابك الكيميائية، بدلا من مجرد تمرير إشارة كهربائية من خلية إلى أخرى، ينتقل جهد الفعل إلى نهاية المحور العصبي ويسبب إطلاق مادة كيميائية في مساحة صغيرة جدًا بين الخلايا العصبية تسمى الشق المشبكي synaptic cleft. يتم امتصاص هذه المادة الكيميائية من قبل الخلايا العصبية في اتجاه المصب على الجانب الآخر من الشق. ويمكن أن تتسبب هذه الإشارة الكيميائية في إزالة الخلايا العصبية في اتجاه التيار من غشاءها وتحويل الإشارة الكيميائية مرة أخرى إلى إشارة كهربائية. أو يمكن أن يكون لها تأثيرات أخرى على الخلية. هذه الخطوة الكيميائية أبطأ من الإرسال عبر المشبك الكهربائي، لكنها تفتح الباب لمجموعة متنوعة للغاية من أنواع مختلفة وأكثر تعقيدًا من الإشارات. تلعب الوظيفة المشبكية دورًا مهمًا في العمليات الحسابية التي تقوم بها الخلايا العصبية. ولذلك فالاتصال التشابكي الأمثل مطلوب من أجل الحصول على وظائف دماغية سليمة. فالاضطرابات الطفيفة في وظيفة المشبك العصبي يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات بالغة في وظائف الدماغ! في الواقع، أثبتت الأدلة المتزايدة أهمية الخلل الوظيفي في المشبك كمحدد رئيسي للعديد من الأمراض العصبية. وأدت هذه الفكرة إلى ظهور فرع في الباثولوجي (علم الأمراض) يسمى بباثولويجا التشابكات العصبية Synaptopathy وهي أمراض دماغية نشأت من المشاكل التي تعتري عمل المشابك العصبية. دراسة فسيولوجيا المشابك الشاذة تساهم في فهم أفضل للعديد من اضطرابات النمو العصبي مثل التوحد ومتلازمة داون والصرع، وكذلك الاضطرابات التنكسية العصبية مثل ألزهايمر ومرض باركنسون. لدينا حوالي 86 مليار خلية عصبية في الدماغ، كل خلية من تلك الخلية لديها تشابك عصبي مع ألف خلية أخرى على الأقل، أو ربما 10 آلاف خلية أخرى، هذا يعني أن عدد المشابك العصبية يتراوح ما بين 100 إلى 500 تريليون مشبك عصبي، وبعض التقديرات أوصلت هذا الرقم إلى كوادريليون أو ألف تريليون مشبك عصبي! لو أخذنا حتى أقل التقديرات لعدد المشابك العصبية في الدماغ، أي ألف مشبك عصبي في المتوسط للخلية الواحدة، مضروبا في 86 مليار خلية عصبية (وهو متوسط عدد الخلايا العصبية في الشخص البالغ وفقا لأبحاث سوزانا هيركولانو هوزيل وفريقها)، فنحن نتحدث عن 86 تريليون تشابك عصبي في الدماغ! هناك حوالي 16 مليار جهاز متصل بالإنترنت، ولو افترضنا أن هناك تواصل بين كل جهاز وألف جهاز آخر، أي أننا نتحدث عن 16 تريليون اتصال، وبالتالي فلكي يمكننا الإلمام بالدماغ البشري بما فيه من خلايا وتشابكات عصبية، نحتاج إلى فهم بيانات أكثر 5 مرات من بيانات شبكة الإنترنت الحالية!!! ومع اعترافي بعدم دقة التشبيه، ولكنه لتقريب الصورة فقط، فالنظر في الدماغ البشري عن قرب أصاب الجميع بالذهول، فبغض النظر عن التبعات الفلسفية المتناقضة لتفسير تلك الدراسات، الجميع يتفق على مدى التعقيد المذهل الموجود في هذه المساحة الصغيرة من أجسامنا جميعا. - عائشة — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid03XQG2jH595KnH9jcrpCfAjqrHZXt5JjXrtWZHofSXDXVx6wdy37KtB7wgB3aSBTpl

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.