
من التبعات التي ترتبت على «الثنائية الموجية−الجسيمية»، أنها وضعت حدودًا على قدر المعلومات التي يمكن معرفتها عن النظام الكوانتي في وقت واحد. فإما أن نختار أن نرصد الخصائص الموجية للضوء عن طريق تمريره عبر الشاشة ذات…
مبدأ اللاحتمية لهايزنبيرغ (1)
من التبعات التي ترتبت على «الثنائية الموجية−الجسيمية»، أنها وضعت حدودًا على قدر المعلومات التي يمكن معرفتها عن النظام الكوانتي في وقت واحد. فإما أن نختار أن نرصد الخصائص الموجية للضوء عن طريق تمريره عبر الشاشة ذات الشقين بدون أي رصد لمرور الفوتونات من أحدهما، أو أن نختار رصد تلك الفوتونات وهي تمر من أحد الشقين. ومن غير الممكن أن نقوم بالشيئين معًا في نفس الوقت. لاحظ «ڤيرنر هايزنبيرغ Werner Heisenberg»؛ وهو أحد الفيزيائيين الذين ساهموا في تطوير فيزياء الكوانتم في مراحلها المبكرة؛ أن هذا النوع من القياسات −والتقييدات التي تَحُدُّه− يمكن النظر إليه بطريقة أخرى. فمن الممكن أن نعتبر رصد مرور الفوتون من أحد الشقين بمثابة قياسٍ لموضعه، وأن رصد نمط التداخل أقرب لقياس «كمية الحركة Momentum». ومن المستحيل −بسبب «الثنائية الموجية−الجسيمية»− أن يقاس موضع أي جسيم كوانتي −كالفوتون− وكمية حركته معًا في نفس الوقت.
من الممكن تطبيق فكرة «هايزنبيرغ» على تجربة الشقين، لكن نظرًا للدقة الكبيرة التي يستلزمها ذلك سنلجأ إلى مثال آخر أكثر وضوحًا، حيث سندرس سلوك الضوء المار من شق واحد ذي عرض محدد. إذا حللنا ذلك السلوك باستخدام النموذج الموجي للضوء؛ سنجد أن الشق سيجعل شعاع الضوء يتشتت وينتشر مكونًا «نمط الحيود Diffraction Pattern»؛ كما يظهر في (الصورة ١−٥). وسنجد أننا كلما ضيَّقنا ذلك الشق اتسع نطاق الحيود على الشاشة. ومن الممكن أن نجري نفس التجربة باستخدام شعاع ضوئي ضعيف للغاية بحيث ندرس سلوك الفوتونات المنفردة كما فعلنا في تجربة الشق المزدوج. نجد من جديد أن الفوتونات تصل إلى الشاشة النهائية في نقاط ومواضع تبدو عشوائية نوعًا ما؛ لكن نمط الحيود يبدأ في الظهور مع تراكم المزيد من الفوتونات.
يتعلق مبدأ اللاحتمية بما يمكننا أن نتوقعه من صفات الفوتون المار بالجهاز. فنحن نعلم أن الفوتون قد مر من خلال الشق لكننا لا نعرف من أين مر على وجه التحديد. فهناك إذن قدر من اللاحتمية في موضع ذلك الفوتون وهذا القدر يساوي x∆، حيث يمثل x∆ عرض ذلك الشق. وعندما يغادر الفوتون الشق سيصل إلى الشاشة في نقطة ما، ولكننا لا نعلم مسبقًا أين سيصطدم بها. فلو اصطدم الفوتون بمركز الشاشة المقابل للشق تمامًا فسنعلم أنه مرّ بالخط الواصل بينهما OP. ولكن في حالة وصول الفوتون على نقطة أخرى؛ ولتكن مثلاً النقطة Q؛ سيعني ذلك أن «سرعته المتجهة Velocity» تكوِّن زاوية ما مع الخط الأفقي OP. وهذا يعني أن تلك «السرعة المتجهة» (وبالتبعية كمية الحركة للفوتون) لهما مُكوِّن في الاتجاه x. وبما أن كل ما نعلمه هو أن الفوتون سيصل إلى مكان ما ضمن حدود نمط الحيود، فإن عرض هذا النمط يمثل مقدار اللاحتمية في كمية الحركة.
إذا ضَيَّقنا عرض ذلك الشق لتقليل اللاحتمية في موضع مرور الفوتون سيؤدي ذلك ولابد إلى اتساع عرض نمط الحيود، وبالتالي تزداد اللاحتمية في كمية الحركة في الاتجاه x. وتبين أن حاصل ضرب مقداري اللاحتمية هو نفسه مهما غيَّرنا من عرض الشق، وتبين بمزيد من الحسابات أنه −أي حاصل الضرب− يساوي تقريبًا الثابت الكوانتي الأساسي (أي ثابت بلانك h الذي أشرنا إليه بأعلى). واستطاع «هايزنبيرغ» أن يُثبت أن نظرية الكوانتم تستلزم أن جميع حسابات موضع الجسيم وكمية حركته مقيدةٌ بمثل تلك اللاحتمية ومحدودة بها، فلا يمكن أن يقل حاصل ضرب مقداري اللاحتمية عن الثابت h مقسومًا على 4π. وعبر عن ذلك في المبدأ المشهور: مبدأ اللاحتمية، الذي ينص على أن:
∆x ∆p>h/4π
ومن الواضح أن تحليلنا السابق لتجربة الحيود يتفق مع هذا المبدأ.
أدى مبدأ اللاحتمية إلى تأثيرات عميقة في نظرتنا إلى القياسات والتجارب العلمية. لقد لوحظ منذ فترة طويلة أن هناك تقييدات عملية تحدد دقة أي عملية قياس؛ ولكن لم يكن هناك من الناحية النظرية −قبل فيزياء الكوانتم− ما يمنع من الوصول إلى الدقة المطلوبة مع تحسين تقنيات القياس. وعلى الرغم من أن مبدأ اللاحتمية يتعلق بقدرتنا على التنبؤ بنتائج التجارب والقياسات المتتالية؛ لكنه يضع أيضًا من الناحية العملية قيودًا أساسية على دقة قياس كميتين فيزيائيتين معًا في نفس الوقت؛ مثل موضع الفوتون وكمية حركته. وبعد أن طُرحت هذه الفكرة برزت عدة اقتراحات لتجارب ربما تتيح درجة من الدقة تتجاوز ما يسمح به مبدأ اللاحتمية؛ لكن جميع تلك الاقتراحات ثبت أنها مستحيلة. وكما سنرى في الفصول القادمة؛ فإن التفسير السائد لفيزياء الكوانتم يعتبر أنه لا معنى لوصف جسيم −قد علمنا كمية حركته− بأن له موضعًا محددًا. إن مبدأ اللاحتمية هو إحدى التبعات الغريبة والثورية لفيزياء الكوانتم وأفكارها الفلسفية التي هي موضوع هذا الكتاب.
-----
(1) هناك عدة ترجمات لمصطلح «The Uncertainty Principle»، منها: "مبدأ عدم اليقين" أو "اللايقين"، و"مبدأ اللاتعيين"، و"مبدأ الريبة" أو "مبدأ الشك"؛ لكنني اخترت أقربها للمعنى الذي ترجح عندي −بعد تأمل طويل− أن «هايزنبيرغ» أراده. وكثيرٌ من الخلاف الدائر في الأدبيات العربية حول هذا المبدأ الأساسي الثابت إنما يرجع إلى الخلل في فهمه بسبب سوء تلقيهم للترجمة. وهذا المبدأ ومعناه والخلاف حوله مما يحتاج لبسط وتحرير ليس هذا موضعه. (المترجم)
للمزيد: https://braheen.com/publications/فيزياء-الكوانتم-حقيقة-أم-خيال
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
