
لا أجد في قول توماس جولد شتاين أن "الأفول التام تقريبا للعلم في العصور الوسطى المبكرة يوحي بأن الجهود العلمية الأشد اتساقا وخصوبة تتغذى على ما يمكن أن نسميه التوجه (العلماني) وهو فضول إزاء الطبيعة يجد جذوره في مناخ…
لا أجد في قول توماس جولد شتاين أن "الأفول التام تقريبا للعلم في العصور الوسطى المبكرة يوحي بأن الجهود العلمية الأشد اتساقا وخصوبة تتغذى على ما يمكن أن نسميه التوجه (العلماني) وهو فضول إزاء الطبيعة يجد جذوره في مناخ ثقافي علماني، مناخ يلعب فيه الإدراك الحسي المباشر دورا محوريا ومعترفا به تماما"[12] قراءة صحيحة لتلك الفترة المبكرة من العلم. كما أن النقد الاسكولائي للفلك والفيزياء الأرسطيين "لم ينحصر في مجرد امتحان البراهين الأرسطية وإبراز ما خلفها أحيانا، أو تعويضها حتى ببراهين ونظريات أخرى، بل تعدى ذلك. فالاسكولائيون أدخلوا تحويلات جديدة على التقليد العلمي الأرسطي خصوصا في دراسة الحركة وظاهرة سقوط الأجسام وهذا ما يعرف باسم نظرية الاندفاع".[13] وحتى "إذا كان الاسكولائيين ظلوا لأسباب معينة عاجزين عن رفض العلم الأرسطي جملة وتفصيلا، فإنهم نبهوا على الأقل إلى مساوئه وإلى ثغراته، مما سيتحول إلى نقط بحث ناجعة بعد العصر الوسيط. وأكبر النظريات العلمية الجديدة في القرنين السادس عشر والسابع عشر تجد أصلها في الإحراجات المترتبة على نقد الاسكولائيون للفكر الأرسطي".[14] فللمجتمع المسيحي مساهمة في العلم، وكذلك المجتمع المسلم الذي كان حلقة وصل بين الإغريق والعصور الوسطى من خلال ترجمته للنصوص الإغريقية ثم ترجمتها أوروبا من العربية، "فقد تابع الإسلام الإرث الإغريقي وأعطى قوة موحدة للمعرفة، واعتبر متابعة المعرفة فضيلة، فلم يكن من الممكن للمسيحية وحدها أن تتسبب في ازدهار العلم في الغرب في القرن السادس عشر".[15]
يقول برتراند راسل: "وكان العرب أميل إلى التجريب من الإغريق، وبخاصة في الكيمياء، فقد كانوا يأملون أن يحيلوا المعادن الرخيصة إلى ذهب، وأن يكتشفوا حجر الفلاسفة، وأن يركّبوا إكسير الحياة. وكان هذا من أسباب إقبالهم على البحوث الكيميائية. وقد حمل العرب تقليد المدنية طوال عصور الظلام، وإليهم مرجع كثير من الفضل في أن بعض المسيحيين أمثال روجر بيكون قد حصّلوا كل المعارف العلمية التي تهيأت للشطر الأخير من العصور الوسطى".[16]
أما فكرة الإدراك الحسي المباشر وقوله "لم يكن ثمة متسع للملاحظة العلمية داخل رؤية العالم الوسيطة الترانسندنتالية هذه"[17] مقابل "العقل الإغريقي الذي هو أول عقل تستبدل رؤية أسطورية، أو دينية للكون بتفسيرات عقلانية".[18] وقوله "يبدو أن العلم ينمو بأنضر ما يكون في الثقافات ذات التوجه الإيجابي إزاء عالم الحواس، ويبدو أنه يذوي في الثقافات ذات النزوع الروحاني، الأخروى المتشدد"[19] فغير صحيح أيضا، لأن هناك عوامل اجتماعية وظرفية –مثل ظهور الحركة الإنسانية والطباعة– [20] ساعدت بدور مركزي على ظهور العلم بشكله الحديث، كما أن بعض رواد الفترة المبكرة للعلم كانوا عقلانيين وليسوا تجريبيين، على رأسهم ديكارت، فليس القول بمبادئ فطرية –بصرف النظر عن صحة ذلك في نفس الأمر– عائقا أمام التوجه التجريبي، إذ أن "كلا من الفلاسفة التجريبيين والعقلانيين ابتداء من بيكون ومرورا بديكارت وهوبز وحتى جون لوك نفسه ذهبوا إلى أن العالم استمد معناه ودلالته لأنه معقول".[21]
للمزيد: https://braheen.com/articles/science-scientism/نشأة-النظرة-العلمية-1
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
