
كتبَ عالِم اجتماع العلم روبرت ميرتون في الأيام المظلمة عام 1942(1): "إنَّ قبول أو رفض مزاعم الحقيقة الداخلة في قوائم العلم لا يعتمدُ على السمات الشخصية أو الاجتماعية لأصحابها؛ فالعرْقُ والجنسية والدين والطبقة الاجتماعية…
كتبَ عالِم اجتماع العلم روبرت ميرتون في الأيام المظلمة عام 1942(1): "إنَّ قبول أو رفض مزاعم الحقيقة الداخلة في قوائم العلم لا يعتمدُ على السمات الشخصية أو الاجتماعية لأصحابها؛ فالعرْقُ والجنسية والدين والطبقة الاجتماعية والصفات الشخصية هي على هذا النحو غير ذات صلة". كان مرتون بصدد وصف "الكونية"، وهي إحدى المجموعات الأربع للضروريات المؤسسية التي في رأيه تستوعبُ روح العلم الحديث.
إنَّ الكونية هي مبدأ غائب بشكل ملحوظ عن المجتمع عموما، حيث ينتشر التطبُّق (stratification) بجميع أنواعه. فالهياكل الطبقية بنوع أو بآخر موجودة في جميع البلدان، وداخلها تستفيض العصبيات والاجتماعيات، والهيبة والمكانة تُكَدَّسُ بدأبٍ لجميع المكافآت التي يمكن أن تـجْلِبها. إذا كان ميرتون مُحِقًّا، فإنَّ المجتمع العلمي قد عزَلَ نفسه عن مِثْل هذا السلوك، وقد فعل ذلك ليس على سبيل الاختيار ولكن؛ لأنَّ الكونية هي شرط أساسي إذا كان سيَتِمُّ تقييم الأفكار الجديدة بكفاءة وستتم إضافتها إلى رصيد المعرفة الموثقة.
إلى أيِّ مدى تحقَّقت الكونية في الممارسة العملية داخل المجتمع العلمي؟ ندرس هذا السؤال بالتزامن مع آليتين تعتمدان بشكل حاسم على الكونية في جوهرهما ووظيفتهما. الأوَّلى هي مراجعة الأقران، وهي عملية مُسْهَبة يتمُّ من خلالها توجيه أموال الحكومة للباحثين. في الولايات المتحدة وأغلب الدول الأخرى، تُقرِّر الحكومة كم ستنفق على مجال مرض السرطان والدفاع وهكذا دواليك، لكن داخل هذه الفئات العريضة، فإنَّ القرارات الأساسية بالنسبة لـمَنْ مِنَ الباحثين ينبغي أن يتحصَّل على المال لا يتَّخذُها المسؤولون الحكوميون وإنما تتَّخِذُها لجان متكونة من العلماء البارزين في حقل الدراسة. تشكِّلُ لجان الزملاء هذه نظام مراجعة الأقران، إذ إنَّهم يضطلعون بنفوذٍ كبيرٍ داخل المجتمع العلمي؛ لأنَّ أحكامهم على مطالب المنح المقدمة لهم تحدد من سيحصل على التمويل ممن لن يفعل.
تُبيِّنُ حالة جون لونج John Long كيف يمكن للمكانة والهيْبَة أن تلُفَّ مشروعًا علميًّا ببريقٍ يُعمي المراجعين والحكَّام عن مضمونه.(2) عَمِل لونج في المستشفى العام بولاية ماساتشوستس، أحدُ المستشفيات البحثية والتعليمية المرموقة في العالم. لقد كان باحثًا شابًّا صاعدًا، ذو حظوة لدى السلطات في المستشفى. كان موضوع عمله داء هودجكين، وهو اضطرابٌ مشابهٌ لمرض السرطان ذو سببية غير مؤكَّد.
للمزيد: https://braheen.com/publications/خونة-الحقيقة-الغش-والخداع-في-قاعات-العلم
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
