
هذا البحث الرائع تاه وسط زحام الأوراق للأسف، نرجو من المهتمين مراجعته ديڤيد وُ. سنوك، چيفري كوكس، دونالد بيتشر، "التعقيد وما دون المثالية في التطور"، مجلة التعقيد، الجزء 21(1): 322-327 (سبتمبر/أكتوبر، 2015). David W…
هذا البحث الرائع تاه وسط زحام الأوراق للأسف، نرجو من المهتمين مراجعته
ديڤيد وُ. سنوك، چيفري كوكس، دونالد بيتشر، "التعقيد وما دون المثالية في التطور"، مجلة التعقيد، الجزء 21(1): 322-327 (سبتمبر/أكتوبر، 2015).
David W. Snoke, Jeffrey Cox, and Donald Petcher, “Suboptimality and Complexity in Evolution,” Complexity, Vol. 21(1): 322-327 (September/October, 2015).
يبدأ مقال هؤلاء الفيزيائيين الثلاثة بملاحظة: أن إنشاء نظام جديد يقتضي محاولة التطور انتاج تغيرات كثيرة يعمل عليها الانتقاء الطبيعي ليجد شيئًا مفيدًا يمكنه المحافظة عليه، لكنّ هذا يترافق مع تكلفة قاتلة نظرًا لأن أغلب التغيرات الجديدة لن تعمل مما يؤدي إلى تراكم "الخردة".
وكما عبر المؤلفون: "هناك كلفة إضافية من الطاقة مقابل زيادة التعقيد... ففي الأنظمة الحقيقية، يكون بناء الأنظمة الجديدة مكلفًا، وكلفة استمرار احتواء أنظمة فاشلة أو زائدة عن الحاجة تملي على الأنظمة الحيوية الموجودة التخلي عن المكونات الزائدة عن الحاجة.
يمكن الالتفاف حول هذه المشكلة بتوفير نظام مكافآت للتنوعات الجديدة المرغوبة، وهذا يمثل تناقضًا في نظرية التطور الدارويني: فإن لم تكن المكافأة كبيرة بما يكفي لن يتطور أي شيء جديد مطلقًا. وعلى الطرف الآخر لو كانت المكافأة كبيرة فسيتم تجريب الكثير من الأشياء الجديدة معظمها لن يثمر أي شيء مفيد وسيتراكم في النظام الكثير من النفايات المضرة. ويشرح المؤلفون:
"هناك عمليتان متنافستان؛ في الأولى تكون كلفة الطاقة للمحافظة على أنظمة آثارية لاوظيفية سيعرضها للحذف بدل إبقائها وستنخفض بالتالي أعدادها. والثانية بالعكس دون وجود بذور كامنة لأي أنظمة جديدة تمكن من إيجاد وظائف جديدة لا تملكها حاليًا لن يستحدث شيء جديد ولن يزداد التعقيد. ولذا فإن كانت الكلفة الطاقية للأنظمة اللاوظيفية عالية للغاية فلن يحدث التطور".
يحاول البيولوجيون التطوريون غالبًا حل هذه المعضلة بادعاء سهولة تطوير بُنى جديدة ولكن مع تراكم الكثير من الخردة. ويلاحظ المؤلفون أن هذه الادعاءات تاريخيًا "قد دفعت منظري التطور لتوقع أن الأنظمة الحية تحمل جزءًا مهمًا من العناصر الآثارية أو اللاوظيفية، بالإضافة لعناصر شبه آثارية تعمل بأقل من الكفاءة المثلى".
ولاختبار هذه التوقعات التطورية بنوا نموذجًا يقدم مكافأة عند تطوير وظيفة جديدة، لكن يتطلب ثمنًا مقابل الأنظمة المتطورة التي تحتاج وجود مسبق لكثير من الأجزاء قبل أن تقدم فائدة؛ ووجدوا أن ضبط النموذج ليكافئ على تطوير سمات جديدة، سيؤدي بالفعل إلى تطوير سمات جديدة. وبعض هذه السمات كانت مفيدة، لكن الغالبية العظمى منها لم تكن كذلك.
ولكن توجد كلفة مقابل القدرة على تطوير شيء جديد، فقبل انتهاء المحاكاة انهارت الجمهرة الخاضعة للاختبار بسبب تراكم الكثير من النفايات الجينية –فالسمات الجديدة لم تكن أكثر من أعباء عديمة النفع– فتهاوت ملاءمتها بسرعة هائلة.
ولهذا السبب ذهب المؤلفون إلى رصد مشكلة أخرى: "لا تكافئ الطبيعة على التعقيد تلقائيًا، وإنما تكافئ على الوظائف التي تحسن من فرص البقاء والتكاثر" و"ربما توجد العديد من الطرق للحصول على الوظيفة ذاتها، بعضها بسيط وبعضها معقد، وستتلقى جميعها المكافأة بذات الطريقة سواء كان التنفيذ مثاليًا أم لا، والكلفة الطاقية الكلية فقط هي ما سيعيق بعض طرق ظهور الوظيفة".
يحاول نموذج الباحثين أن يوفق بين هذه الحقائق باعتبار "1) الكلفة الطاقية لزيادة عدد العناصر المنتَجة و2) الطرق المتعددة إلى الوظائف المفيدة". فهناك نسبة بين مكافأة شيء جديد وتكلفة تجربته:
1) حين تكون النسبة منخفضة جدًا، سيكون من المكلف تجربة أشياء جديدة، وسيتم التخلص منها. ولن تتطور سمات جديدة.
2) أما إن كانت النسبة عالية، فستتطور سمات جديدة بسهولة تامة. بداية سيتكون تعقيد جديد، وتزال الخصال اللاوظيفية المكلفة أو شديدة الضرر.
لكنّ تجربة الكثير من التنوعات الجديدة يعني العجز عن غربلة الخصال ذات الضرر الطفيف. وعلى مر الوقت تتراكم الخصال غير المفيدة، وتتراكم هذه الطفرات في النهاية إلى الحد الذي تصل فيه الجماعة إلى نقطة الكارثة والانهيار، وتصبح النفايات حمولة لا تطاق، مما يؤدي إلى انقراض الكائن.
واعتمادًا على هذه المحاكاة، فإن التطور الدارويني إما أن: 1) لا يؤدي إلى شيء جديد، أو 2) يؤدي إلى إنتاج كميات هائلة من النفايات المميتة بالمحصلة، وفي الحالة الثانية فإن المكافأة مرتفعة لتجربة أشياء جديدة مقابل كلفة بناء بنى جديدة. ولكن جعل النسبة عالية بما يكفي لرفع نسبة التعقيد، يوجب أن تكون كلفة بناء أشياء جديدة قليلة ومهملة.
تتكاثر السمات الجديدة، لكن تزداد معها نسبة السمات اللاوظيفية لتطغى على الكائن في النهاية مهلكة إياه بتأثيراتها الضارة. لكن عند محاولة تجنب المشكلة (2) بجعل نسبة المكافأة إلى الكلفة أخفض، نصل إلى الحالة (1) ولن يتطور أي جديد مطلقًا، والكائنات البيولوجية الحقيقة أقرب إلى الوضع (1)، بسبب وجود طرق فعالة للتخلص من السمات غير الوظيفية التي تتطلب كلفة، ولأننا لا نرى أنظمة حيوية مليئة بالخردة الفائضة. لكن حين تكون الكائنات الحية في الحالة (1) فإن هذا يقتضي العجز عن بناء السمات المعقدة الجديدة لأنه من الصعب جدًا عليها تجربة الأشياء الجديدة. واستنتج الباحثون:
"ربما يُمنع انهيار ملائمة الأنظمة الحية الموجودة الذي شاهدناه في هذا النموذج من خلال التخلص السريع من العناصر اللاوظيفية وترك العناصر الوظيفية سليمة. تمنع هذه الآلية أي بذور ساكنة مهما كان حجمها، وهي بالتالي تمنع أي تزايد في التعقيد".
وحين نتكلم عن إنتاج أنظمة قابلة للحياة، يواجه التطور الدارويني المعضلة التي تلخصها المقولة "ملعون إن فعلت، ملعون إن لم تفعل". فمهما كان السبب الذي أنتج السمات الوظيفية البيولوجية المعقدة الذي شاهدناه، فإنه ليس التطور الدارويني غير الموجه.
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
