
أثناء دراساتي في درجة الدكتوراه، عرفت أن العلماء الذين يبحثون في الماضي يفكرون غالبًا بطريقة تشبه كثيرًا طريقة المحققين الذين يبحثون عن المجرم، يأخذ المحققون عددًا من المشتبهين بعين الاعتبار ليحددوا هوية الجاني عند…
أثناء دراساتي في درجة الدكتوراه، عرفت أن العلماء الذين يبحثون في الماضي يفكرون غالبًا بطريقة تشبه كثيرًا طريقة المحققين الذين يبحثون عن المجرم، يأخذ المحققون عددًا من المشتبهين بعين الاعتبار ليحددوا هوية الجاني عند محاولة إعادة بناء مسرح الجريمة، وبطريقة مشابهة، يقيم علماء التاريخ الطبيعي –أمثال علماء الجيولوجيا والآثار والأحافير والكونيات والبيولوجيا التطورية– وزن وقيمة التفسيرات المتنافسة في محاولة لاكتشاف سبب وقوع حدث محدد في الماضي، أو ظهور بنية، أو ظهور دليل ما، ويستخدم علماء التاريخ الطبيعي لذلك منهجًا علميًّا يسمى "منهج الفرضيات المتعددة المؤثرة"2، ولكن قبل أن يستطيع العلماء تقييم الأفكار المتنافسة حول سبب نشأة البنية أو الدليل المعطى، لا بدّ أن يفهموا بوضوح ماهية الشيء الذي يحتاج للتفسير.
وبالنسبة للعلماء الذين يحاولون تفسير نشأة الحياة، فإن أحد أهم مفاتيح حل اللغز هو الحياة نفسها، بنيتها ووظيفتها وتركيبها، وذلك ما دعا ألكسندر أوبارين –وهو أول عالم وضع نظرية علمية شاملة عن نشأة الحياة– ليقول:
"أصبحت معضلة طبيعة الحياة ومعضلة أصلها متلازمتين"3، وصاغتها هارمِك كامينغا بقولها: "هنالك سؤال جوهري يكمن في صميم معضلة نشأة الحياة: ما هو بالضبط الشيء الذي نحاول أن نفسر نشأته؟".4
أحدث الاكتشاف الذي قام به واطسون وكريك، ومن ثمّ الاكتشافات التي تلته فورًا، تغيرًا كاملًا في فهمنا لطبيعة الحياة، وحدد لنا أيضًا سمات الحياة التي "يحاول" العلماء الآن "تفسير أصلها"، يروي هذا الفصل قصة الاكتشاف الذي افتتح هذه الثورة في الفهم البيولوجي، وهي قصة الحلزون المزدوج double helix، سوف يتضح أن هذه الخلفية التاريخية ضرورية في الفصول اللاحقة، ولكي نقيّم الأفكار المتنافسة حول نشأة الحياة والمعلومات الحيوية فمن الضروري أن نعرف ما هو الدنا، ماذا يفعل؟ وكيف يسمح له شكله وبنيته بتخزين المعلومات الرقمية؟ كما سأوضّح في فصول تالية فشل بعض النظريات الحديثة حول نشأة الحياة فشلًا ذريعًا لأنها فشلت في أن توافق وتفسر ما اكتشفه العلماء على مدار القرن الماضي فيما يخص البنية الكيميائية للدنا وطبيعة المعلومات الحيوية.
- د. ستيفن ماير
للمزيد: https://braheen.com/publications/توقيع-في-الخلية-الدنا-وأدلة-التصميم-الذكي
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
