
لم يكن تأسيس الحياة في الوسط السائل صدفة، إذ من الصعب تصور وجود أي نوع من النظام الكيميائي المعقد القادر على تركيب ونسخ ذاته، والتعامل مع الذرات والجزيئات المكونة له، وتحصيل المغذيات والمكونات الحيوية من بيئته -أي يكون…
لم يكن تأسيس الحياة في الوسط السائل صدفة، إذ من الصعب تصور وجود أي نوع من النظام الكيميائي المعقد القادر على تركيب ونسخ ذاته، والتعامل مع الذرات والجزيئات المكونة له، وتحصيل المغذيات والمكونات الحيوية من بيئته -أي يكون نظامًا يبدي الخصائص التي نصف بها الحياة- إلا في وسط سائل.
وكما أشار أ. إ. نيدهام في كتابه (فرادة المواد البيولوجية The Uniqueness of Biological Materials) بوجوب استبعاد الطورين الأخرين من المادة: الطور الصلب، والطور الغازي، لأسباب وجيهة جدًا. ففي حالة الطور الصلب، سواءً البلوري منه -ثُبتت ذراته في مصفوفة كريستالية منتظمة- أم الزجاجي -الذي حشرت الذرات فيه بشكل غير منتظم-، تتصل الذرات بجاراتها بمتانة، مما يقلل من المساحة المتاحة لحدوث العمليات الحركية الجزيئية الضرورية لحدوث الحياة. بالمقابل نجد أن الغازات تتألف من ذرات حرة الحركة، وهي لا تصلح كمرشَّح لتكوين الوسط الكيميائي للحياة لشدة تطايرها وعدم استقرارها.2 نعلم جميعًا أن الغيوم هي كتل سديمية من قطيرات صغيرة سائلة، أو بمصطلح علمي أدق، هي مبعثرات غرويدية من نمط سائل في غاز، وهي استثناءٌ عزيز من القاعدة القائلة بأن النظم المبعثرة في الغاز شيء نادر. على كل الأحوال فإن سرعة تلاشي نماذج الغيوم بيانيًّا يوضح عدم ملاءمة الغاز ليكون وسطًا يدعم أنظمة مبعثرة فيه ومستقرة.
ولو أن قوانين الفيزياء حَصَرت المادة في طورين (صلب وغازي)، وألغت الطور السائل، فمن المؤكد تقريبًا غياب الحياة، وهي التي عرفناها سابقًا بأنها: نظام كيماوي معقد، قادر على تركيب ونسخ ذاته، والتعامل مع أجزائه، وجلب المغذيات والمكونات الحيوية من بيئته. من الملاحظات المثيرة ما كتبه جون فون نيومان John Von Neumann -أحد مؤسسي عصر الحاسوب- في كتابه (نظرية الإنسان الآلي ذاتي التكاثر Theory of Self Reproducing Automata)، حيث تصور آلة ميكانيكية ذاتية التضاعف طافيةً على سطح بحيرة لا نهائية مغطاة بكل المكونات الأساسية المطلوبة لعملية إعادة نسخ الذات، أي أن هذه الآلة الخيالية (عاشت) في وسط سائل.3
ولأن نتيجة المناقشة حول مثالية ملاءمة الماء لدوره البيولوجي تظهر بشكل تراكمي، وتحتاج لتأمل متأن نسبيًّا لكل تكيفي منفرد للماء، فمن المهم ألا نختصر الحديث عن أي تكيف ولو كان معروفًا للجميع، هكذا نعرض الأدلة شاملة قدر المستطاع وببعض التفصيل.
- د. مايكل دنتون
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
