ردود

هل يشير التشابه إلى الانحدار من سلف مشترك؟

4 دقائق للقراءة
هل يشير التشابه إلى الانحدار من سلف مشترك؟

أم إلى التطور المتقارب في خطوط متوازية بدون سلف مشترك؟ تعتبر الباندا العملاقةُ والباندا الصغيرةُ الحمراءُ خيرَ مثالٍ على مشكلة التفريق بين مظاهر التشابه البنيوي ومظاهر التشابه الوظيفي. كِلَا نوعي الباندا متوطِّنٌ في…

هل يشير التشابه إلى الانحدار من سلف مشترك؟ أم إلى التطور المتقارب في خطوط متوازية بدون سلف مشترك؟ تعتبر الباندا العملاقةُ والباندا الصغيرةُ الحمراءُ خيرَ مثالٍ على مشكلة التفريق بين مظاهر التشابه البنيوي ومظاهر التشابه الوظيفي. كِلَا نوعي الباندا متوطِّنٌ في غابات الخيزران جنوب غرب الصين. على مدى أكثرَ من قرْنٍ لمْ يستطع العلماءُ الذين يدرسون نوعي الباندا الاتفاق على تصنيفهما ضمن عائلة الدِّبَبَة أو عائلة الراكون. ومنذ أوَّل محاولةٍ لتصنيف هذين الحيوانين في 1869م نُشِرَتْ أكثرُ من 40 دراسةً علميَّةً حول هذا الموضوع. الغريب في الأمر أنَّ هذه الدراسات انقسمت إلى نصفين تقريبًا حوْلَ مسألة تصنيف هذين النوعين ضمنَ عائلة الدببة أو ضمن عائلة الراكون. وصف أحدُ العلماء هذا الفشل في حل المشكلة بـ(لعبة كرة الطاولة في التصنيف). في عام 1964م نَشَرَالمسئولُ عن قسم تشريح الفقاريات في متحف التاريخ الطبيعي بشيكاغو (دوايت ديفيس Dwight Davis) فكرةً أصبحتْ فيما بعد واسعةَ القَبُول لحل هذه المشكلة وأرضتْ معظم علماء الأحياء.(1) استنتج ديفيس أنَّ الباندا العملاقة ليستْ راكونا وإنَّما دبٌّ، في حين أنَّ الباندا الصغيرةَ راكون وليستْ دبا. ثم زادت الدراساتُ الكيميائيةُ الحيوية الحديثةُ من قائمة التشابهات بين الباندا العملاقةِ وبقيَّةِ الدببة. لكن ما الذي أقْنَعَ العلماءَ لكلِّ تلك الفترةِ بأنَّ كلا نوعي الباندا من عائلة واحدة؟ أحدُ الأسباب هو المكانُ الجغرافي. إنْ كانتْ الباندا الحمراءُ راكونًا والباندا العملاقةُ دبًّا فستكون الباندا الحمراءُ هي الراكونُ الوحيدُ الذي يعيش خارج العالم الغربي (الأمريكيتين). لكن وجود راكون وحيد محصور في الصين قد فاجأ العديد من علماء الأحياء. الأمر الأكثر إقناعا وقتها كان اعتبار كلا نوعي الباندا راكونات أو دببة. إلى جانب عيشها في نفس المكان تتشارك الباندا العملاقة والباندا الصغيرة بعدد كبير من الصفات المادية والسلوكية. فمثلا لدى كل منهما أنفٌ شبيه بالآخر وكذلك الأمر بالنسبة للفك العلوي. لاحظ صغر حجم الأنف مقارنةً مع الدبّ القطبي وكيف اتسعت عظام الفك العلوي من الخلف. لكلا نوعي الباندا أسنانٌ طاحنة كبيرة وعضلاتُ مَضْغٍ ضخمةٍ تعملُ بشكل يلائمُ هذه الصفات الجديدة. هذه التشابهات واضحةٌ حتى بالنسبة لملاحظ عامي وهناك تشابهات أخرى أصعب في الاكتشاف. يتشابه نوعا الباندا في المَعِدَةِ والقناة الهضمية والكبد ويختلفان في ذلك عن بقيَّةِ الدببة. يعتبر علماء الداروينية أنَّ النظامَ الغذائيَّ المشتركَ من الخيزران هو سبب هذه التشابهات الهضمية -جزئيا على الأقل-. لكنْ ليس هذا منتهى الأمر تتشابه الباندا العملاقة وراثيًّا مع غيرها من الدببة مع أنَّها تملك 42 صبغيًّا لتكونَ أقربَ إلى عدد صبغيات الباندا الحمراء -36 صبغيا- منها لعدد صبغيات معظم الدببة -74 صبغي-. تعرف الباندا العملاقة بين علماء الأحياء بإبهامها الذي يمنحُها براعةً لا تملكُها الدَّبَبَةُ الأخرى. يمكن لهذا الإبهام أنْ يقابل بقيَّةَ الأصابع رغم كونه ليس إبهامًا كاملًا وأنَّه قادِرٌ على التقابل الجزئي مع غيره من الأصابع. يتضح أنَّ هذا الإبهامَ هو عظمةٌ متضخمةٌ من رَسْغِ الباندا تعرف بالعظم السمسماني الكعبري radial sesamoid. يعمل التجمع العظمي في رسغ الباندا بشكل متوافق. يعمل العديد منها وجهًا لوجهٍ لتحريك الكفِّ بكلِّ الأشكالِ من فتْح وإغلاقِ وضرْب ودوران وإلخ. من الممكنِ بسهولةٍ ملاحظةُ براعة الباندا العملاقة في التعامل مع الخيزران وتقشيره فهذه العمليَّةُ تستغرقُ معظمَ يوم الباندا ومفتاح هذه البراعة هو العظم السمسماني الكعبري المتضخم. تملكُ الباندا الحمراءُ الصغيرةُ عظمًا سمسمانيًّا متضخمًا أيضًا ويُستخدمُ للتعامل مع الخيزران وتقشيره مع كوْنِهِ غيرَ واضحٍ كما لدى الباندا العملاقة. ليس التشابه في شكل العظمة فقط بل في كلِّ النظامِ الخاصِّ بها والبُنى الداعمةِ لها كالوضعية الخاصة للأوتار الخاصة بالعضلة المبعدة وكذلك الأمر بالنسبة لسطوح العظام في الرسغ. أضفْ إلى ذلك أنَّ للباندا العملاقة والباندا الحمراء الكثيرَ من التشابهات السلوكية الأخرى. فليس لأيٍّ منهما مرحلة سبات كما تفعل بقية الدببة. يشترك نوعا الباندا في الكثير من الصفات بما يشكِّلُ دليلًا مقنعًا -لأول وهلة- على التقائهما في سلف مشترك؛ حتى اعتبر علماءُ الأحياءِ تلك التشابهات تشابهات بنيوية homologous وفسروها بأنَّها منحدرةٌ عن السلف المشترك، وصنَّفوا دبَّيْ الباندا في نفس العائلة. لكنْ افترضْ أنَّنا قبلنا بالتوجه الحالي السائد بين علماء الأحياء في اعتبار كلِّ واحد من نوعي الباندا ينتمي لعائلة مختلفة عن عائلة الآخر وأنَّ هذه التشابهات فيما بينهما ليستْ نتيجةَ تناظراتٍ وإنَّما نتيجةَ الاشتراك في نفس الوظيفة وناجمة عن التطور المتقارب. يعني هذا أنَّ نوعي الباندا لمْ يرثا الصفات المشتركةَ بينهما من سلفهما المشترك وإنَّما تطورتْ نفسُ الصفات -وخصوصا العظم السمسماني المتضخم- بشكل مستقل لدى كلٍّ منهما من العدم. تطرح مثل هذه الحوادث -وهي كثيرةٌ في الطبيعة- سؤالًا حول إمكانية اعتماد الصفات المتشابهة كأدلَّة معتمدة على العلاقات التطورية. - د. ويليام ديمبسكي ود. جوناثان ويلز من كتاب (تصميم الحياة) (1) D. D. Davis, The Giant Panda: A Morphological Study of Evolutionary Mechanisms (Chicago: Field Museum of Natural History, 1964). — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid0aVFcsQ93FU4rVHmvqiCk44qzep5PcBJ94DTJhXQgxkf7npBdMqL7BVPCfxvxHquLl

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.