علوم

الغشاء الخلوي: الطبقة ثنائية الدهون

4 دقائق للقراءة
الغشاء الخلوي: الطبقة ثنائية الدهون

الغشاء الخلوي هو أحد أهم البنى في الخلية، ويتألف بشكل كبير من الدهون، ومن الصعب تخيل بقاء الخلية حية دون نوع من الأغشية المحيطة غير النفوذة نسبيًّا semipermeability لمكونات الخلية -خاصة للمستقلبات الصغيرة مثل السكاكر…

الغشاء الخلوي هو أحد أهم البنى في الخلية، ويتألف بشكل كبير من الدهون، ومن الصعب تخيل بقاء الخلية حية دون نوع من الأغشية المحيطة غير النفوذة نسبيًّا semipermeability لمكونات الخلية -خاصة للمستقلبات الصغيرة مثل السكاكر والحموض الأمينية- لمنع انتشارها خارج الخلية إلى السائل المحيط. يجب أن يكون هذا الغشاء أيضًا مرنًا نسبيًّا، وقادرًا على الاحتفاظ بحاجز مستمر بين الخلية وبيئتها في ظل شكلها المتغير. يشير أحد كبار البيولوجيين إلى أنه من المهم أن يتصرف الغشاء الخلوي كـ"سائل ذي بعدين"، وأن يكون قادرًا على الجريان في كل الاتجاهات على سطح السيتوبلازما؛ للحفاظ على حاجز مستمر بين الخلية ومحيطها، في ظل "النشاطات المتغيرة دائمًا والناتئة من السطح الخلوي". تلبي الطبقة ثنائية الدهون هذه المعايير بشكل مثير للإعجاب؛ فكرهها للماء يلبي معيار كونها غير نفوذة لمعظم مكونات الخلية، مثل السكاكر والحموض الأمينية والحموض العضوية الأخرى الذوابة بالماء، كما أنها تملك بالضبط خاصية المائع الضرورية للحفاظ على حاجز مستمر محيط بكتلة السيتوبلازما المتحركة والمضطربة دائمًا، حيث إنها مائعة جدًا وذات لزوجة شبيه بلزوجة زيت الزيتون. بنية الطبقة ثنائية الدهون مبينة في الشكل التالي. لاحِظ أن الدهون التي تصنع الغشاء، هي دهون فوسفورية، وهي دهون تحوي مجموعة فوسفات مشحونة عند إحدى نهايتيها، والنهاية الفوسفاتية محبة للماء، في حين أن النهاية الدسمة كارهة له، وعندما تتجمع البنية على نفسها، تتوجه مجموعات الفوسفات المحبة للماء باتجاه الماء، في حين تتوجه سلاسل الهيدروكربونات الكارهة للماء بعيدًا عنه. أحد العوامل التي تساهم في تلاؤم هذه البنية الرائعة هو أنها تتشكل تلقائيًّا حول السطح الخارجي للخلية، مثل انتشار طبقة رقيقة وحيدة الجزيئات من مادة غير ممتزجة مع الماء -دهن على الأغلب- على سطحه. ويعلق عالم بيولوجيا الخلية جون ترينكاوس John Trinkaus قائلًا: "لأن الماء جزيئة قطبية قوية، تنجذب مجموعة الفوسفات القطبية في دهون الغشاء إلى سطحي الغشاء حتمًا: السطح الخارجي، والسطح السيتوبلازمي. بنفس الوقت تميل أجزاء الحمض الدسم غير القطبية إلى الانضغاط، ضمن طور غير قطبي داخل الغشاء. جمال هذا الأمر أن كل شيءٍ ينظم نفسه ببساطة، وبسبب الطبيعة الكيميائية المتأصلة في الدهون الفوسفاتية، فإنها تتجمع ذاتيًّا بشكل طبيعي وعفوي لتشكيل طبقة ثنائية في محلول مائي، فهي وكأنها مفطورة على فعل ذلك". ليس هناك أدنى عنصر مصادفة في أن طبقة ثنائية الدهون تشكل الطبقة الحدودية المحيطة بالخلية، فلا يوجد مادة أخرى معروفة يمكنها استبدال هذه البنية الخاصة، وخصائص عدم النفوذية والميوعة والتجمع التلقائي تبدو صفاتًا أساسية في أي نظام غشائي محيط بالخلية، لكن هذه التوليفة الفريدة من الصفات لا توجد إلا في الطبقة ثنائية الدهون، وهنا نجد حالة أخرى تكون فيها وظيفة بيولوجية أساسية متلائمة مثاليًّا وبشكل فريد على ما يبدو مع دورها المخصص. إن وجود الخلية معتمد في الواقع مطلقًا على امتلاك طبقة الدهون الثنائية الصفات البيوكيميائية والبيوفيزيائية الملائمة تمامًا. لطبقة الدهون الثنائية خاصية أخرى متأصلة في طبيعتها الكارهة للماء، هي أنها عازلة كهربائيًّا؛ لأنها غير نفوذة للجسيمات المشحونة، مثل أيونات الصوديوم (Na+) والبوتاسيوم (K+)، بالتالي فهي قادرة على حصر حركتها عبر الغشاء إلى بوابات أيونية مصممة خصيصًا، والخلية قادرة على توليد كمون كهربائي بين داخل الخلية وخارجها -المعروف بكمون الغشاء- بواسطة ضخ الجسيمات المشحونة عبر بوابات الأيونات في الغشاء. لو لم تكن طبقة الدهون الثنائية عازلة، فلن تكون الخلايا قادرةً على الحفاظ على كمونها الغشائي، ولن تكون العديد من الظواهر البيولوجية التي تعتمد على كمون الغشاء ممكنة، مثل نقل النبضات العصبية. إضافة إلى خصائصها العازلة، فإن طبقة الدهون الثنائية تلائم توليد كمون الغشاء بطريقة أخرى، حيث تقدم بيئة مثالية لبروتينات الغشاء، التي تضخ الأيونات إلى داخل وخارج الخلية، حيث تقيم البروتينات وتعمل في تلك الطبقة المضاعفة. إن هذه الصفة الخاصة بهذا البناء الرائع، وهي صفة العزل الكهربائي والكمون الغشائي الذي تولده تلقائيّا، ستقدم الخصائص الكهربائية المطلوبة بالتحديد لنقل النبضات العصبية بين الخلايا، ولبناء الجهاز العصبي بالنهاية، وهي بالتأكيد حقيقة ومصادفة ذات أهمية كبيرة، لا تقل أهمية عن خصائصها الكهربائية والعازلة، وقدرتها على التجمع الذاتي، فالجهاز العصبي أيضًا بحد ذاته يعتبر بالفعل من (فطرة طبقة الدهون الثنائية). تعتمد الخصائص الكهربائية للخلايا على العديد من العوامل الأخرى بالإضافة إلى الخصائص العازلة للأغشية الدهنية، حيث يعتمد انتشار النبضات العصبية مثلًا على النقل السريع لموجات إزالة الاستقطاب على طول الليف العصبي، وسرعة إزالة الاستقطاب بحد ذاتها ناتجة عن سرعة انتشار كاتيونات الصوديوم والبوتاسيوم عبر بوابات خاصة في غشاء الخلية العصبية، وتعزز هذه العملية بشكلٍ كبير باللزوجة المنخفضة للماء، وبالخصائص الفريدة للكاتيونات نفسها. - د. مايكل دنتون، قدر الطبيعة: قوانين الحياة تُفصِح عن وجود الغاية في الكون، مركز براهين 2016، ص329 https://braheen.com/publications/قدر-الطبيعة-قوانين-الحياة-تفصح-عن-وجود-الغاية-في-الكون — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.