علوم

السلوك الكوانتي وراء الخصائص الكلاسيكية للمواد

4 دقائق للقراءة
السلوك الكوانتي وراء الخصائص الكلاسيكية للمواد

لقد لوحظ منذ فترة طويلة أن سلوك الأجسام الماكروسكوبية يبدو كلاسيكيًا؛ إلا أن كثيرًا من صفاتها تنشأ في الحقيقة من السلوك الكوانتي لمكوناته الميكروسكوبية. ومن الأمثلة على ذلك ما الذي يجعل بعض المواد فلزات فتوصل الكهرباء…

لقد لوحظ منذ فترة طويلة أن سلوك الأجسام الماكروسكوبية يبدو كلاسيكيًا؛ إلا أن كثيرًا من صفاتها تنشأ في الحقيقة من السلوك الكوانتي لمكوناته الميكروسكوبية. ومن الأمثلة على ذلك ما الذي يجعل بعض المواد فلزات فتوصل الكهرباء، بينما يكون بعضها الآخر موادًا عازلة أو أشباه موصلات؟ لقد نشأ هذا بسبب الصفات الكوانتية للإلكترونات الموجودة في المواد الصلبة. كما تعتمد الصفات الحرارية للأجسام الصلبة؛ كـ «الحرارة النوعية Specific Heat» أو «الموصلية الحرارية Thermal Conductivity»؛ على الحركة الكوانتية للذرات. ربما يؤدي هذا إلى اعتبار السلوك الكوانتي للأنظمة الماكروسكوبية حقيقة ثابتة. ولكن هناك صفة مميزة في عملية القياس لا تعكسها هذه الاعتبارات. فعندما يُحدث القياس أثره( ) تتغير حالة عدد كبير من الجسيمات معًا. فعلى سبيل المثال؛ إذا تحرك المؤشر على المقياس فهذا يعني أن جميع الذرات تحركت معًا، وإذا أضيء المصباح فهذا بسبب الحركة الجماعية للإلكترونات في الأسلاك التي مر بسببها التيار الكهربي الذي أضاء المصباح. إن هذه الحركة الجماعية التي يشترك فيها عدد كبير من الجسيمات هي صفة أساسية في كل الأحداث الماكروسكوبية المرصودة وبالتحديد في أجهزة القياس. فهل تتعطل نظرية الكوانتم عندما تحدث مثل هذه الحركات الجماعية إذن؟ لكي نختبر إمكان تطبيق فيزياء الكوانتم في هذا الموقف سننظر في استخدام الجهاز الذي يظهر في الصورة ٧−١: لدينا هنا المثال المعتاد للفوتون +45 المتجه إلى المستقطِب [H/V]؛ الذي يتصل فيه المساران بمؤشر يتحرك من موضعه المركزي O إلى إحدى النقطتين H أو V بحسب المسار الذي خرج منه الفوتون. هذا الجهاز حتى الآن مماثل لما ناقشناه مرات عديدة من قبل (انظر الصورة ٤−٥) ولكن مع تغيير جوهري. فكما يظهر في الصورة ٧−١ يوضع المؤشر على زنبرك بحيث إذا تحرك في أحد الاتجاهات فإنه يرتد مارًا بمركزه ثم يكمل طريقه في الجهة الأخرى كالبندول. وبالتالي إذا كان الفوتون يخرج بالفعل من المسار H مثلاً (إذا كان المسار V مغلقًا مثلاً) سيهتز المؤشر أولاً إلى الاتجاه H، ثم إلى V، وهكذا. بينما سيهتز إلى الجهة المقابلة أولاً إذا كان الفوتون قد خرج من المسار V. ولكن إذا كان الفوتون يخرج من المسارين معًا، وإذا كانت نظرية الكوانتم صالحة لكل من الفوتون والمؤشر الماكروسكوبي: ستكون الحركة النهائية للمؤشر مجموع هاتين الحركتين اللتين تلغيان بعضهما البعض؛ مما يعني أن يظل المؤشر كما هو( ). فلو أجرينا هذه التجربة ولم نلاحظ أي حركة للمؤشر سنكون قد تأكدنا من صلاحية نظرية الكوانتم في تفسير الأنظمة الكبيرة. وفي المقابل إذا كانت سلسلة القياسات تنكسر متى ما ظهر فيها جهاز قياس كثير الذرات؛ فسيحدث ذلك «الانهيار التلقائي»، وسيظل المؤشر يهتز دائمًا في أحد الاتجاهين كلما خرج فوتون من الجهاز ولن يُرصد أبدًا هذا الإلغاء الكوانتي. تطورت نظرية الانهيار التلقائي تطورًا أكثر تفصيلاً في الثمانينات من القرن الماضي، وتعرف باسم نظرية GRW نسبة للعلماء الإيطاليين الثلاثة( ) الذين طوروها. لقد بدأ هؤلاء الثلاثة بافتراض أن الجسيمات الذرية ربما توجد في حالات كوانتية «غير متموضعة Delocalised» بحيث تكون في تراكب بين الحالات المناظرة لوجودها في مواضع مختلفة، مع وجود احتمال غير صفري؛ أن ينهار هذا التراكب تلقائيًا إلى إحدى حالاته أو مواضعه المحددة. وللحفاظ على الاتساق مع النتائج التجريبية لخصائص الذرات والجسيمات تحت الذرية الكوانتية: افترضوا أن هذا الاحتمال غير الصفري ضئيل للغاية، بحيث إن حالة الجسيم المعيّن يُتوقع أن تنهار تلقائيًا مرة واحدة كل ٥١٠ سنة. ولكن الموجودات الماكروسكوبية −كالمؤشر في جهاز القياس− تحتوي على ٢٠١٠ ذرة؛ وبناء على هذا فمن المتوقع أن تنهار حالة إحدى هذه الذرات كل ١٠−٨ ثانية. ثم أشاروا إلى أن انهيار ذرة واحدة بمفردها؛ في المؤشر الذي لم تتحدد بعدُ مواضع ذراته الأخرى؛ سيؤدي إلى أن تختفي تلك الذرة من أحد حالات التراكب، وسيؤدي تحدد موضعها في حالة معينة من حالات التراكب إلى مضاعفة وزن تلك الحالة الأخرى( ). وسيؤدي هذا حتما إلى زيادة في طاقة النظام، وليس هناك مصدر لهذه الطاقة الزائدة( ). ولتجنب ذلك افترضوا أن انهيار حالة جسيم واحد في أي جسم ماكروسكوبي يؤدي بالضرورة إلى انهيار حالة الجسم بأكمله. وبهذا يحتفظ المؤشر بحالته غير المحددة لفترة قصيرة جدًا قبل أن تنهار حالته إلى إحدى الحالات المناظرة لقيمة القياس. وتتضمن تفاصيل النظرية أن احتمال انهيار التراكب إلى حالة محددة يطابق الاحتمال المتوقع طبقًا لقوانين القياس الكوانتي. وإذا كانت نظرية GRW صحيحة فستكون قد حلت مشكلة القياس وحافظت في الوقت نفسه على مبدأ الاختزالية الضعيفة، لأنها نظرية واحدة وإن اختلف مظهرها في السياق الماكروسكوبي عنه في السياق الميكروسكوبي. - أليستر راي — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid02Q65sc5UiGnVMAhheuRJUmPsaNkCAagsWPv8oTzdEoguCTRLcdWrKcjf1fR4BP4Kil

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.