فلسفة

استحالة استثارة البنية العقلية بالاستبطان

2 دقائق للقراءة
استحالة استثارة البنية العقلية بالاستبطان

بعد أن عرضنا البنية العقلية (ربط صحيح بين علامة عقلية/فكرة والمرجع[1])، علينا الآن أن نثبت استحالة استثارتها بالاستبطان، بل لابد من مجتمع تكمن فيه القواعد التي تثير هذه البنية وتأمنها ضد الشك الذاتي، بل وأن المرجع…

بعد أن عرضنا البنية العقلية (ربط صحيح بين علامة عقلية/فكرة والمرجع[1])، علينا الآن أن نثبت استحالة استثارتها بالاستبطان، بل لابد من مجتمع تكمن فيه القواعد التي تثير هذه البنية وتأمنها ضد الشك الذاتي، بل وأن المرجع الأخير -أو الأول والأخير إن وجدت قوالب عقلية بمعنى ديكارتي أو قوالب لغوية بالمعنى التشومسكي- هو قواعد "الجماعة البشرية"، فمعيار "الاستخدام الصحيح للفظ التعليل "لماذا" أو معيار التفكير الصحيح بالعلية، والربط بين الرمز والخبرة السابقة عليه عند القائلين بالوعي السابق للغة هو المجتمع. وأشهر وأقوى الحجج النافية للاستبطان[2] هي حجج فتجنشتاين في الفقرات المتعلقة بـ "حجية اللغة الخاصة" في بحوثه الفلسفية، وقد قرأت كثيرًا مما كتب في تأييدها وتفنيدها، فلم أجد شيئًا مؤثرًا إلا ما كتبه سول كريبكي؛ الذي أفرد لها قراءة سنناقشها، لكن في الغالب يسجل الفلاسفة[3] بعد كتاب فتجنشتاين أثرها البالغ في حقول عدة، وقد وصفها بعضهم بأنها: تحول جذري في تاريخ الفلسفة. إن تحول الانطباع الذاتي عند الطفل إلى "رمز" أو معنى أو قاعدة بمجرد التأمل في الذات مستحيل: رغم أن ديكارت -وكثير من الفلاسفة منذ أفلاطون- على أن "الوعي بالذات" أو إدراك الأوليات العقلية يأتي مباشرةً من التأمل في النفس المعزولة عن المجتمع بالاستبطان، لكن ما يجده الطفل قبل تعلم قواعد النظر للعالم يختلف بلا شك بعد اكتساب اللغة أو بعد استثارة البنية العقلية، حتى لو بدا أنه يرى "الأحمر" كما نراه، وهذا على كافة الخبرات الذاتية: - فذاته التي يفهمها من خلال إشارة الآخرين لها تختلف تمامًا عن مرحلة ما قبل اللغة أو التفكير المتضمن لعلاقات، ذاته الأولى قبل تعلم القواعد يمكن الحديث عنها إذا علمنا كيف تشعر الأميبا بمنظورها! - العلاقات المفاهيمية كالاحتواء[4]، والتي تطبق في الذات قلت في نفسي كذا أو المجتمع أنا في حفل زفاف أو المادة الكرسي في المنزل. - الكليات وحدود الألفاظ والرموز، فمن الصعب جدًّا أن تحدد لطفل معنى "الكسر" بكل الأمثلة والحقول الدلالية للكلمة، لكن يفهم الطفل من أمثلة محدودة قاعدة استخدام الكلمة، فالانطباع الذاتي قبل اللغة يمكّنه مع التدريب من خلال أمثلة أن يفهم القاعدة كما قلنا في مركب احترام القواعد. لو سألتَ ديكارت أو لوك أو باركلي أو هيوم عن الشعور بالذات والعمليات العقلية النفسية لكانت الإجابة: إنها عملية مباشرة وخاصة تمامًا، مهما كان موقفهم من ثنائية النفس والجسد، أما فتجنشتاين فينكر إمكان تمييز المعطيات الحسية والحالات النفسية دون ربط مجتمعي لكل حالة بلفظ معين، وهذا هو التعرف على النفس والعالم من خلال علاقة إشارية موضوعية، أما اللغة الخاصة أو إنشاء معنى ذاتي من خلال المعطيات الحسية فمستحيل. - رضا زيدان — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.