
إن النقاش بين الواقعية العلمية والأداتية وجه آخر للنقاش الساخن بين فلاسفة العلم حول طبيعة العلم نفسه وتبريره عقلانيا وإمكان كونه يقترب من الصدق وهدفه. والواقعية العلمية هي "وجهة نظر فلسفية عن العلم، تتألف من ثلاث…
إن النقاش بين الواقعية العلمية والأداتية وجه آخر للنقاش الساخن بين فلاسفة العلم حول طبيعة العلم نفسه وتبريره عقلانيا وإمكان كونه يقترب من الصدق وهدفه. والواقعية العلمية هي "وجهة نظر فلسفية عن العلم، تتألف من ثلاث أطروحات: الأطروحة الميتافيزيقية، ومؤداها أن العالم له بنية محددة ومستقلة عن العقل؛ والأطروحة الدلالية ومؤداها أن النظريات العلمية يجب أن تؤخذ بقيمتها الإسمية، بمعنى أنها أوصاف شرطية صادقة لميدانها المعني، سواء كان ملاحظا أو غير قابل للملاحظة؛ والأطروحة الإبستمولوجية، ومؤداها أن النظريات العلمية الناضجة [المجمع عليها تقريبا] والناجحة تنبؤيا هي نظريات عن العالم جيدة التأكيد وصادقة بشكل تقريبي". وما يقبل الملاحظة هو الشيء الذي يراه الإنسان العادي في ظروف مناسبة بحواسه السليمة بدون الاعتماد على أدوات رصد، بينما الذي لا يقبل الملاحظة فهو ما لا يستطيع الإنسان العادي أن يراه على هذا النحو، بل يحتاج إلى أداوت رصد، مثل البروتون والإلكترون والبروتين والمجال المغناطيسي وغير ذلك. وتعني الأطروحة الميتافيزيقية موضوعية العالم باستقلال عن العقل البشري، وتعني الأطروحة الدلالية أن للألفاظ العليمة قيمة صدقية، سواء كانت تصف الملاحظ أو ما لا يقبل الملاحظة. وعلى ذلك فالواقعية تقول بموضوعية العلم واقترابه من الصدق وأن هدفه هو التمثيل الصادق للعالَم. وتعارض الواقعية العلمية تماما الموقف المثالي والظاهراتي والشكي.
أما الأداتية فهي "وجهة نظر عن العلم، مؤداها أن النظريات ينبغي أن تبدو كأدوات (مفيدة) لتنظيم وتصنيف الظواهر الملاحظة والتنبؤ بها. إن قيمة النظريات تتمثل على نحو كامل فيما تخبرنا به النظريات عن العالم الملاحظ. وتأتي الأداتية في أشكال مختلفة، تراكيبية Syntactic ودلالية... وتتبنى الأداتية التراكيبية وجهة نظر قوية [جذرية]، مؤداها أن النظريات لا تهدف إلى تمثيل أي شيء (أعمق من الخبرة)، لأنه لا يوجد شيء في نهاية المطاق أعمق من الخبرة (أي واقع غير قابل للملاحظة) لكي تمثله النظريات... أما الأداتية الدلالية فتأخذ الجمل النظرية على أنها ذات معنى، ولكن فقط بقدر ما تكون (ولأنها) قابلة للترجمة تماما إلى تأكيدات تتضمن فقط حدودا قائمة على الملاحظة. فإذا كانت الجمل النظرية قابلة للترجمة على نحو كامل، فلن تكون في النهاية سوى حديث مقنّع عن تلك الحدود القائمة على الملاحظة، وبالتالي فهي غير ضارة أنطولوجيا. بعبارة أخرى، لا ينبغي أن نتناول الجمل النظرية بمعنى أنها تشير إلى كيانات غير قابلة للملاحظة، ومن ثم فهي لا تفرض علينا أي التزامات تجاهها". وعلى ذلك فالعلم عند الأداتيين ليس إلا أداة نظرية لتمثيل الواقع، لا يتطلب فيها الصدق، وليس من أهداف العلم الصدق أصلا، وإنما يهدف إلى –كما يقول فان فراسين– "تزويدنا بنظريات ملائمة تجريبيا".
لعل القارئ بمجرد سرد التعريف للمدرستين أدرك أن كثيرا من الاعتراضات التي ذكرناها في الفصلين السابقين على موضوعية العلم ستقف أمام الواقعية العلمية، وهذا صحيح، لكن المسألة هنا أخص، ولذلك ستقدم الواقعية العلمية حججا إضافية لدعم مبادئها، ونفس الحال بالنسبة للأداتيين.
- رضا زيدان
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
