ردود

الانهيار التلقائي لدالة الموجة: هل من دليل تجريبي؟

5 دقائق للقراءة
الانهيار التلقائي لدالة الموجة: هل من دليل تجريبي؟

إن الخطوة القادمة هي أن ننظر هل هناك أي دليل تجريبي يؤيد هذه الفكرة؟ فمن المستحيل −مع الأسف− أن تُنفَّذ تلك التجربة المشار إليها أعلاه لرصد اهتزاز المؤشر؛ فحتى لو لم يحدث الانهيار التلقائي، يستلزم بقاء المؤشر في الموضع…

إن الخطوة القادمة هي أن ننظر هل هناك أي دليل تجريبي يؤيد هذه الفكرة؟ فمن المستحيل −مع الأسف− أن تُنفَّذ تلك التجربة المشار إليها أعلاه لرصد اهتزاز المؤشر؛ فحتى لو لم يحدث الانهيار التلقائي، يستلزم بقاء المؤشر في الموضع [1] أن تتلاشى الحركتان تمامًا. وبما أن المؤشر مكون من عدد هائل من الذرات فذلك يستلزم أن تتحرك كل ذراته بنفس الطريقة في الاتجاه العكسي[2]. وبالإضافة لذلك فإن موضع المؤشر يعتمد أيضًا على تأثير الهواء الذي يتحرك خلاله، بالإضافة لاختلاف قوى الاحتكاك بين الأجزاء المعدنية في محوره. ولو افترضنا إمكان إلغاء كل هذا؛ فمازالت ذرات المؤشر ذات «حركة حرارية عشوائية Random Thermal Motion»، وكنتيجة لكل ما سبق فليس هناك أي إمكان حقيقي لأن نرصد تلاشي حركتي الاهتزاز[3]. لهذه الأسباب سيهتز المؤشر دائمًا في إحدى حالتي الاهتزاز، حتى لو كان السلوك الكوانتي الخالص ممكنًا من حيث المبدأ. ومن ناحية أخرى من وجهة نظر «الأكوان المتعددة»؛ تتسبب تلك الحركة الحرارية في انقسام الكون إلى كونين؛ في أحدهما يرى المراقبُ المؤشرَ يهتز في اتجاه معين بينما يرى المراقب الآخر في الكون الثاني ذلك المؤشر يهتز في الاتجاه الآخر. وهكذا؛ فإن الصعوبات التجريبية تجعل رصد جسم ماكروسكوبي في حالة تراكب[4] أمرًا صعبًا للغاية، حتى في حالة غياب «الانهيار التلقائي». وكبديل لما سبق ذهب بعض الفيزيائيين إلى أن هذه الحركة الحرارية العشوائية تشكل جزءًا مهمًا في عملية القياس، وسوف نناقش هذه الفكرة بالتفصيل في الفصل القادم. وفي فصلنا هذا سنهتم بالبحث في إمكان أن يُرصد أي سلوك كوانتي خالص لجسم ماكروسكوبي (كما في مثال البندول المقترح أعلاه)، ولو من الناحية النظرية. وهو ما أصبح محل بحث تجريبي ملحوظ في السنوات الأخيرة. نستطيع أن نختبر فكرة «الانهيار التلقائي» عن طريق "تجربة تداخل" تشبه من حيث المبدأ تلك التي أظهرت تداخل الضوء المار في الشق المزدوج (انظر الصورة ١−٢)؛ ولكن بحيث تُستخدم موجة من الموجات المادية[5] المصاحبة لجسم ماكروسكوبي. وإذا كانت فيزياء الكوانتم تتوقع −طبقًا لشروط التجربة− أن يتكون نمط التداخل، ثم لم نرصده: فنستنتج من هذا أن الانهيار التلقائي قد حدث فعلاً. ومن الأجسام الكبيرة التي جرت الدراسات حول سلوكه الكوانتي هو الجزيء المُسمى «كرة باكي Buckminster Fullerene». يتكون هذا الجزيء من ٦٠ ذرة كربون مرتبة في شكل شبه كرِّي يذكرنا بكرة القدم؛ ومن هنا جاءت التسمية «كرة باكي». وفي عام ١٩٩٩ نفذ مجموعة من الفيزيائيين في فيينا تحت قيادة «أنتون تسايلنغر Anton Zeilinger» تجربة مرروا فيها كرات باكي (التي أنتجت عن طريق أحد الأفران)؛ واحدة بعد الأخرى؛ من خلال حاجز يحتوي على عدد من الفتحات (على الرغم من أنها لم تكن فتحتين فقط إلا أن نفس مبدأ التداخل ينطبق هنا)، ووجد أن النمط المتكوّن هو نمط التداخل الذي يمكن تفسيره بناءً على أن هذا الشعاع من الجزيئات لديه خواص موجية؛ وبالتالي فلا يمكن القول بأن هذه الجسيمات مرت من خلال فتحة واحدة بعينها، ولا أن «الانهيار التلقائي» قد وقع. وهناك عدد من الأسباب التي تجعل إجراء التجربة بتلك الجزيئات أصعب بكثير من الفوتونات. أولاً: إن كتلة الجزيء الكبيرة تعني أن كمية حركته كبيرة جدًا حتى لو تحرك بسرعة بطيئة، وبذلك يكون الطول الموجي للموجة المرافقة له −طبقًا لـ «دي بروي»− صغيرًا للغاية (واحد على بليون من المتر في حالتنا هذه). ولكي يظهر نمط التداخل لهذه الموجات فلابد من استخدام فتحات صغيرة للغاية بدورها. ثانيًا؛ هذا الجزيء C60 (وهذا اسمه الآخر) جزيءٌ كبير الحجم وفي درجة حرارة عالية، لذلك تكون ذراته في حالة حركة مستمرة، ومن الضروري أن تكون هذه الحركة بطيئة بما يكفي لكي تكون حالة الجزيء ثابتة ظاهريًا أثناء التداخل؛ أي لكي تبقى حالته «مترابطة Coherent»[6]. إن أي إجراء يتيح −ولو نظريًا− للمراقب أن يحدد من أي الفتحات مر الجزيء سيؤدي إلى تدمير هذا «الترابط Coherence». ومن المتوقع أن يشعَّ جزيء C60 −في درجة حرارة التجربة− فوتونين أو ثلاثة فوتونات تحت حمراء عند مروره خلال الجهاز. ولكن الأطوال الموجية لهذه الفوتونات أكبر بكثير من المسافة بين الفتحات المتجاورة؛ مما يعني أنه لا يمكن لها أن تنقل أي معلومات عن أي فتحة مر من خلالها الجزيء، وبالتالي تبقى حالة الترابط محفوظة. ومن المتوقع أن تصبح هذه العوامل أكثر أهمية في حالة دراسة الأجسام الأكبر من ذلك. - أليستر راي، فيزياء الكوانتم: حقيقة أم خيال؟، ترجمة أسامة عباس --------------------------- [1] أي: للتدليل على وجود التراكب الكوانتي في سياق ماكروسكوبي. (المترجم) [2] أي: لكي تلاشي كل منهما الأخرى. (المترجم) ([3]) المقصود من كل هذا: لو أمكن رصد هذا التلاشي المفترض فسيثبت خطأ نظرية GRW، لأن تلاشي الحركتين معناه بقاء السلوك الكوانتي في جسم ماكروسكوبي، مما يعني أن «الانهيار التلقائي» لم يحدث كما تفترض النظرية. فالمؤلف هنا يبحث هل هناك تجربة ما، إذا نفذناها ستدعم نظرية «الانهيار التلقائي» أو ستدحضها؟ ويجيب بأن هذا مستحيل في صورة التجربة المقترحة سابقًا لأن نتيجتها ستكون واحدة سواء وُجِد الانهيار التلقائي أو لم يوجد. وسيستمر في بحث بقية الصور المقترحة لدعم هذه النظرية أو دحضها. (المترجم) [4] مرة أخرى يتحدث المؤلف عن رصد حالة التراكب في جسم ماكروسكوبي؛ لأن هذا هو الذي يدحض النظرية ويثبت خطأها. (المترجم) [5] راجع القسم الخاص بالموجات المادية لـ «دي بروي» في الفصل الأول. (المترجم) [6] المقصود بـ «الترابط Coherence» في السياق الكوانتي هو بقاء النظام محل الدراسة على حالة التراكب بين حالاته الممكنة، وعكسه «اللاترابط Decoherence»؛ وهو انتهاء حالة الترابط لأسباب مختلفة في التأويلات المتعددة لفيزياء الكوانتم، وسيأتي في الفصول اللاحقة الحديث عن عملية «اللاترابط» وعلاقتها بالعمليات اللاانعكاسية بشيء من التفصيل. ويُمكن أن يقال إن «اللاترابط» يشبه −باعتبار معين− ما يسميه تأويل كوبنهاغن انهيار الدالة الموجية، أو إن بينهما عموم وخصوص. (المترجم) — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid02vTJ6e86DroDiGj4gZYbHSv4EGSZxhQZrt6Tk3ahQKiJju1N5LSXvLitvBE2hDh3l

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.