فلسفة

الفلسفة الحديثة والعزم على تأسيس العلم

3 دقائق للقراءة
الفلسفة الحديثة والعزم على تأسيس العلم

أما الملمح الرئيسي للفلسفة الحديثة فهو "العزم على تأسيس العلم"، "وبذلك تحولت الفلسفة في شوط كبير منها إلى نظرية في المعرفة تضع نصب عينيها العلاقة بين الذات المدركة والموضوع المدرَك"، وتحول الاهتمام بالعالم من منظور ديني…

أما الملمح الرئيسي للفلسفة الحديثة فهو "العزم على تأسيس العلم"، "وبذلك تحولت الفلسفة في شوط كبير منها إلى نظرية في المعرفة تضع نصب عينيها العلاقة بين الذات المدركة والموضوع المدرَك"، وتحول الاهتمام بالعالم من منظور ديني أو اجتماعي أخلاقي إلى اهتمام بالعالم من منظور علمي، ومهمة "الفلاسفة الذين يلتصقون بالذاكرة من بدايات الفترة الحديثة تقديم أساس فلسفي عام للعلم الفيزيائي الجديد –من حيث تصوره للطبيعة ومن حيث منهج البحث الذي يستخدمه في دراسة الطبيعة– عندما يدخل في علاقة مع الصورة الميتافيزيقية والدينية للعالم، هذه البؤرة الرئيسية لمساعي ديكارت الفلسفية، وهي أيضا السبب الذي من أحله يعتبر ديكارت مؤسس الفلسفة الحديثة، وغالبية الفلاسفة المحدثين هم بهذا الاعتبار من أتباعه"، فهم "علميون في موقفهم العادي، في مقابل الميول الاستاطيقية التي تتكرر بكثر عند الفلاسفة القدماء، والاهتمامات اللاهوتية المسيطرة عند المدرسيين في العصور الوسطى. وفي مقابل كل من الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى نجد أن الفيلسوف الحديث علمي في نظرته، فالقيم لا تشهد بالضرورة على صدق الوقائع الممكنة، ولم يعد اللاهوت يضع حدودا لتفكير الفيلسوف، ولا يملي النتائج التي ينبغي عليه أن يصل إليها... وسعى الفيلسوف الحديث إلى أن ينظم نتائج العلوم الطبيعية المختلفة والاجتماعية في صورة للعالم ككل يفسح فيها المجال لقيم الفن والأخلاق، كما يبين اتفاقها مع النتائج المستقرة للبحث العلمي. غير أنه لا بد من كشف الوقائع على نحو ما هي عليه، وتعلم العيش بقدر الإمكان في ضوء هذه المعرفة. ولذلك فإن البحث العنيد عن الحقيقة هو السمة الأساسية التي يتميز بها الفيلسوف الحديث، فهو يحب الجمال ويقدّر الفضيلة الشخصية والعدالة الاجتماعية، لكنه لا يستطيع أن يسلم ببساطة بكون يشجع على وجود هذه القيم، فواجبه الأول أن يعرف الأشياء كما هي". وهذا لا يعني أن القطيعة كانت من كل وجه بين الفترة الحديثة والعصر الوسيط سواء في الفلسفة أو الحياة الاجتماعية والسياسية، أو أننا لن نجد رواسب فلسفية قديمة –على مستوى المعالجة– عند الفلاسفة المحدثين، فقط نقول أن هناك وضع ثقافي علمي يختلف إجمالا عن الوضع الثقافي القديم ظهر في فترة قصيرة عادة لعدة عوامل مجتمعة لا تهمنا هنا، وقصدت بكلمة إجمالا هنا "تكييف" هذا الحكم العام، وإلا سيكون تبسيطا مخلا، "فمن ناحية نجد أن القديس توما الأكويني في القرن الثالث عشر يؤكد على استقلالية الفلسفة بوصفها فرعا من الدراسة قائما بذاته. بينما نجد اللاهوت والفلسفة في القرن الرابع عشر يميلان إلى الانفصال عن بعضهما نتيجة لنقد النزعة الإسمية للميتافيزيقا التقليدية، ومن ناحية أخرى نجد ديكارت في القرن السابع عشر يحاول أن يجعل أفكاره الفلسفية منسجمة مع متطلبات العقيدة. بينما يذهب باركلي في القرن الثامن عشر إلى القول على نحو صريح بأن هدفه النهائي هو أن يهدي الناس إلى صون الإنجيل". فالمشاغل اللاهوتية كانت حاضرة لكن ليس كما كان الحال في العصر الوسيط، ولا نجد في العصر الوسيط فلسفة بحدة فلسفة هوبز أو هيوم أو إسبينوزا مثلا، ولا النظرة العلمية الواضحة التي نجدها بعد العصر الوسيط. ولم يكن في العصر الوسيط "تمييزا واضحا تماما بين العلم التجريبي والفلسفة، فكان العلم التجريبي معروفا بوصفه فلسفة طبيعية أو فلسفة تجريبية". من أجل ذلك سنمر على بعض مؤسسي هذه العقلية العلمية من الوجهة التي تتعلق بالبحث، العقلية التي جعلت من بعدها يتصور العالم على أنه مغلق سببيا، أي رفض أي تأثير غير مادي في العالَم. - رضا زيدان — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid0RBD6LSccJSeTuQf9cAxsusvocQeqWCzZZNG2TvLMKueDu3LG9HsYTnsoquJ6vepGl

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.