
لنأخذ الآن بعض الوقت للقيام ببحث مهمّ في سيناريو دوليتل Doolittle التطوري لتخثر الدم. إنّ أول شيء نلاحظه هو أنّه لم ينوّه إلى وجود عوامل سببيّة. حيث نلاحظ ما يلي: يظهر العامل النسيجي، ويولد الفيبرينوجين وينشأ مضادّ…
لنأخذ الآن بعض الوقت للقيام ببحث مهمّ في سيناريو دوليتل Doolittle التطوري لتخثر الدم. إنّ أول شيء نلاحظه هو أنّه لم ينوّه إلى وجود عوامل سببيّة. حيث نلاحظ ما يلي: يظهر العامل النسيجي، ويولد الفيبرينوجين وينشأ مضادّ البلازمين ويبرز (TPA) ويطلق العنان لبروتين يحوي روابط متبادلة وهلمّ جرّا. وربما نسأل ما الّذي يسبب بالضّبط كل هذه النّشوءات والظّهورات؟ يبدو أنّ دوليتل يضع في ذهنه السّيناريو الداروينيّ الـمُعتمِد على طريقة "خطوة بخطوة" بمشاركة التّضاعف العشوائي غير المباشر والتّأشيب (إعادة التركيب) لقطع الجين. لكن خذ بعين الاعتبار الحظّ الهائل المطلوب للحصول على القطع الجينية المناسبة في الأماكن المناسبة. تملك الكائنات حقيقيّات النوى قطعًا جينيّةً قليلةً جدًا، ويبدو أنّ العملية التي تُبادِل بينها عشوائيّة. وبالتّالي فإنّ صنع بروتين تخثّر دم جديد عن طريق الخلط يشبه انتقاء عشرات الجمل عشوائيًّا من موسوعة على أمل تشكيل فقرة مترابطة. لم يتكلف دوليتل عناء حساب عدد الميادين المخلوطة المختلفة غير الصحيحة وغير الفعّالة وغير المجدية التي سيتم استبعادها قبل الحصول على بروتين ذي نشاط شبيه بالـ(TPA) مثلا.
ولتوضيح المشكلة، لنقم بحساباتنا السّريعة. خذ بعين الاعتبار أن الكائنات الحية التي تملك شلّال تخثّر الدّم لديها (10.000) جين تقريبا، وكل منها مقسّمة إلى حوالي ثلاث قطع. يُعطينا هذا مجموع ما يُقارِب (30.000) قطعة جينيّة. يملك TPA أربعة أنماط مختلفة من المواقع.(7) عن طريق الخلط المتعدّد، فإنّ فرص الحصول على هذه المواقع الأربعة معا(.8.) هو واحد إلى (30.000) مرفوعة للأس أربعة، وهو ما يُقدَّر تقريبا بواحد إلى عشرة أس ثمانية عشر.(9) الآن إذا كانت فرص الفوز برهانات سباق الخيل الايرلندية 10 للأس 18، وإذا لعب مليون شخص اليانصيب كل سنة، فسيمرّ تقريبا حوالي (1000) بليون سنة قبل أن يفوز به أيّ شخص –ليس شخصًا بعينه–. (1000) بليون سنة هي تقريبا مئة مرّة من العمر الـمُقدَّر للكون. تخفي لغة دوليتل العفويّة (كمصطلح "spring forth"، وغيره) الصعوبات الهائلة. كما أنّه قد تعيق مشكلة الفرص الضئيلة جدًّا نفسها ظهور طليعة الثرومبين (نتيجة تضاعف جين البروتياز ومن ثمّ الخلط) والفيبرينوجين (بروتين غير شرعي مشتق من) والبلازمينوجين وطليعة الأكسيليرين، وكلّ من أشكال إعادة الترتيب الـمُقتَرَحة العديدة لطليعة الثرومبين. يحتاج دوليتل بوضوح إلى خلط وتعاون مع أفضل الأيدي العلميّة للنجاح. ولسوء الحظّ لا يملك العالم الوقت لينتظر.
ويؤخذ بعين الاعتبار أيضا الادّعاء الضّمني بأنّ البروتين المصنوع من الجين المتضاعف ربما يملك فوراً الخصائص الضّروريّة الجديدة. وبالتالي أخبَرونا بأنّه يظهر العامل النّسيجي كنتيجة لتضاعف جين –بروتين آخر–، لكن بالتّأكيد لا يظهر العامل النّسيجي كنتيجة للتّضاعف. ربما ينطبق هذا على البروتين الآخر.
ولتوضيح معنى كلمة التّضاعف لنتخيّل أنّ معملا لصنع الدّرّاجات الهوائيّة قد تضاعف، فعندها سيبقى يصنع درّاجات هوائيّة وليس درّاجات ناريّة. ربّما يتضاعف جين البروتين عن طريق طفرة عشوائية، لكن لن يحدث ذلك فقط من أجل امتلاك خصائص جديدة معقّدة. وبما أنّ الجين المتضاعف ببساطة يعدّ نسخة عن الجين القديم، فيجب أن يشمل تفسير ظهور العامل النّسيجي طريقًا وهميًّا يقوده لاكتساب وظيفة جديدة. لكن لا تسمع لهم هنا حسّا، صمت مطبق. يصطدم مخطّط دوليتل بالمشكلة نفسها في إنتاج كلٍّ من طليعة الثرومبين ومستقبلات الثرومبين ومضادّ الثرومبين والبلازمينوجين ومضادّ البلازمين وطليعة الأكسيليرين وعامل ستيورات وطليعة الكونفرتين وعامل كرستماس والعامل المضادّ للنّاعور والبروتين C، فعليّا كل بروتين في النّظام.
المشكلة الثّالثة في سيناريو تخثّر الدّم هي أنّه لم يتطرّق إلى القضايا المهمّة المتعلّقة بالكمّيّة والسّرعة والزّمان والمكان. لم يُذكَر شيء عن كمّيّة موادّ التّخثّر المتوفّرة مبدئيّا، أو قوّة الخثرة التي ربما تتشكل بوساطة نظام بسيط أوْ الوقت الذي يلزم لتشكّل الخثرة فور حدوث الجرح أوْ ضغط التّدفّق الذي قد تقاومه الخثرة، أوْ الضّرر النّاتج عن تشكّل خثرات غير ملائمة، وعدّة تساؤلات كهذه. ربّما تجعل القيم المطلقة والنسبيّة لهذه العوامل أو غيرها أيّ نظام افتراضي محدّد إمّا ممكنا أو خطأً مُريعًا –وهو الأكثر احتمالا–. فمثلا إذا توافرت فقط كميّة صغيرة من الفيبرينوجين فربما لن تكفي لتغطية الجرح؛ وإذا شكّل الفيبرين البدئي نقطةً عشوائيّةً عوضا عن تشكيل شبكة فمن غير الممكن أن يُوقَف تدفّق الدّم. إذا كان الفعل الأوّلي لمضادّ الثرومبين سريعًا جدا، وكان الفعل الأوّلي للثرومبين بطيئًا جدًّا أو كان ارتباط عامل ستيوارت الأصلي أو عامل كرستماس أو العامل المضادّ للنّاعور ضعيفا جدا أوْ محكمًا جدا –أو إذا ارتبطت إلى أشكال غير فعّالة من أهدافها بالإضافة إلى الأشكال الفعّالة– فعندها سيتداعى النّظام برمّته. لا نجد ما قام به دوليتل علمًا لأنه لم يأت في أيّة مرحلة –ولا واحدة فقط– بمثالٍ قائم على أرقام وكميات، ودون الأرقام ليس هناك علم. إذا مُثِّل تطوّر مثل هذا النّظام المعقّد عن طريق صورة شفهيّة فقط ببساطة، فلن يوجد مطلقا طريقة لمعرفة ما إذا كان يعمل فعلا. عندما تُتجاهل مثل هذه الأسئلة المهمّة فإنّنا نخرج من إطار العلم وندخل في عالم الكرتون (كالفن وهوبس Calvin and Hobbes).
لا تعدّ الاعتراضات التي أثيرت حتى الآن هي الأخطر، بل الأخطر من ذلك، وربما الأوضح، هي ما يخص التّعقيد غير القابل للاختزال. أؤكّد أنّ الانتقاء الطّبيعي، وهو المحرّك في نظريّة التّطوّر الدارويني، يعمل فقط في حال وجود شيء لانتقائه، شيءٍ ما يكون مفيدا الآن، وليس في المستقبل. حتّى إذا قبلنا جدلًا بسيناريو دوليتل، فإنّه بنفسه يقول إن تخثّر الدّم لا يظهر إلا بعد المرحلة الثّالثة على الأقل. إنّ تشكّل العامل النّسيجي في المرحلة الأولى أمر غير مبرّرٍ، لأنّه عندها سيجلس دون وظيفة، وفي المرحلة التّالية لن تجد طليعة الثرومبين الأولية المسكينة ما تفعله –إذ أنها ظهرت قبل العامل النّسيجي لكنها تتمتّع بالقدرة على ربطه، حيث تفعّله بطريقة ما–، وفي النّهاية، تظهر مستقبلات الثرومبين الافتراضية في المرحلة الثالثة ويبرز الفيبرينوجين في الخطوة الرّابعة. يظهر البلازمينوجين في أحد المراحل لكن لا يظهر مُفعِّله (TPA) إلا بعد مرحلتين لاحقتين. يظهر على المنصة عامل ستيورات في مرحلة ما، لكن لا يفعل شيئًا حتى ظهور مُفعِّله –طليعة الكونفرتين– في المرحلة التّالية ويرتبط العامل النّسيجي بطريقة ما إلى هذا المعقّد. تواجه تقريبًا كل مرحلة في هذا الطّريق الـمُقتَرح المشاكل نفسها.
لا تبدو الكلمات البسيطة مثل (لا يظهر الـمُفعِّل إلا بعد مرحلتين لاحقتين) مثيرةً حتّى تتأمّل في الآثار المترتّبة عليها لأنّ كلّ مرحلة في الطريق تحتاج إلى بروتينين اثنين –طليعة الإنزيم ومُفعِّله– وهنا تكون فرص الحصول على البروتينين معاّ تقريبا الجذر التربيعي من فرص الحصول على أحدهما. لقد حسبنا فرص الحصول على (TPA) لوحده ووجدناها واحدًا إلى عشرة مرفوعة للقوة الثّامنة عشرة، ووجدنا فرص الحصول على (TPA) ومُفعِّله معاً حوالي واحد إلى عشرة مرفوعة للقوة السّادسة والثلاثين؛ إنّه رقم كبير مرعب. لا يُتوَقَّع حصول مثل هذا الحدث حتى لو منحنا الأرض بدل كل ثانية من عمرها (المقدّر بعشرة بلايين سنة) عشرة بلايين سنة. لكن تعدّ الحالة الأكثر سوءًا بالفعل ما يلي: إذا ظهر بروتين ما في أحد المراحل(10) حيث لا دور له فيها، فعندها ستميل الطّفرة أو الانتقاء الطّبيعي إلى التّخلّص منه، وبما أنّه لا يملك تأثيرًا مهمًا فإنّ فقدانه لن يكون ضارّا، ولكن سيُكلِّف إنتاجُ جينٍ وبروتينٍ طاقةً لا تصرفها الكائنات الأخرى. وبالتّالي فإنتاج بروتين غير مفيد أمر ضارّ على الأقلّ بدرجة ثانويّة. فعليّا ربّما تعيق الآلية الداروينية المعروفة بالانتقاء الطبيعي تشكيل نظام معقّد غير قابل للاختزال مثل نظام شلّال التّخثّر.
يعترف دوليتل ضمنيّا في السيناريو خاصته بأنّ شلّال التّخثّر معقّد تعقيدًا غير قابل للاختزال، لكنّه يحاول أن يغطّي معضلة الإشارات المجازيّة للين واليانغ. وخلاصة القول أنّه يجب إدخال مجموعة بروتينات دفعةً واحدةً إلى شلّال التّخثّر. يمكن أن يحدث هذا فقط من خلال افتراض "الوحوش المرتقبة hopeful monster" الذي من حسن حظّه يحصل على جميع البروتينات دفعةً واحدةً أو بتوجيه من كائن ذكي.
بناء على مثال البروفسور دوليتل، يمكننا أنْ نفترضَ طريقًا تُبنى فيه مصيدة الفئران لأول مرة كالتالي: تظهر المطرقة كنتيجة لمضاعفة عتلتين في مخزننا الخلفي، ثُمَّ تتصل المطرقة مع القاعدة، ونتيجة لخلط بعض العيدان الخشبية، يقفز نابض من ساعة الجد القديمة التي كانت تستخدم كجهاز لضبط الوقت، ثم تأتي عارضة التثبيت من قشة تخرج من علبة مياه غازية، ويأتي الملقط من غطاء علبة جعة. ولكن هذا ما لا يحدث إلّا أنْ يوجه أحد ما أو شيء ما هذه العملية.
جدير بالذكر أنّ جمهور (دوليتل) في مقالته تلك المنشورة في مجلّة التّخثّر والإرقاء (Thrombosis and Haemostasis) هم روّاد بحث التّخثّر، حيث إنّهم على علم بأحدث التّطوّرات، لكن حتّى الآن لم تشرح لهم المقالة كيف نشأ التّخثّر وكيف تطوّر فيما بعد؛ ولكنّها تحكي لهم قصّةً فقط. والحقيقة ألّا أحدَ على وجه الأرض يعرف الفكرة المبهمة عن كيفية ظهور شلّال التّخثّر.
- د. مايكل بيهي
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
