ردود

مطاردة ميكروسكوبية: الخلية المتعادلة تبتلع البكتيريا

3 دقائق للقراءة

كما لو أن صيادًا ماهرًا يطارد فريسته، والتي بدورها تفر هاربة بحثا عن أي مخرج للنجاة، ولكنه لا يتوقف حتى يبتلعها! الرهيب، والمدهش في الأمر، هو أن ذلك يحدث في مساحة أقل بعشرات المرات من شعرة الإنسان!! الفيديو هو عبارة عن…

هذا المشهد رهيب حقا! كما لو أن صيادًا ماهرًا يطارد فريسته، والتي بدورها تفر هاربة بحثا عن أي مخرج للنجاة، ولكنه لا يتوقف حتى يبتلعها! الرهيب، والمدهش في الأمر، هو أن ذلك يحدث في مساحة أقل بعشرات المرات من شعرة الإنسان!! الفيديو هو عبارة عن صراع ميكروسكوبي، تهرب البكتيريا فيه من الخلية المناعية (وهي neutrophils أو الخلايا المتعادلة؛ وهي أهم أنواع كرات الدم البيضاء) بكل طاقتها، لكن تنجح الخلية الحبيبية المتعادلة Neutrophil granulocytes في النهاية في ابتلاعها... الخلية البكتيرية حجمها تقريبا من 0.5 إلى 5 ميكرومتر (μm)، وده تقريبا أقل مئة مرة من عرض شعرة الإنسان! بينما الخلية المتعادلة أكبر نوعا ما، حيث يقاس حجمها بين 12 إلى 15 ميكرومتر. تفرز البكتيريا مواد كيميائية تُعرف بالـ "جاذبات الكيميائية" (Chemoattractants)، كنتيجة ثانوية لعمليات التمثيل الغذائي والإخراج وتفاعلاتها مع بيئتها، وفي الوقت نفسه تلتقط الخلية المتعادلة Neutrophil تلك الإشارات الكيميائية الخارجة منها، وتتحرك في اتجاه التركيزات الأعلى من هذه المواد الكيميائية، فيما يعرف بـ "الانجذاب الكيميائي Chemotaxis". تسمح مستقبلات سطح الخلية المعتدلة باكتشاف التدرجات الكيميائية للجاذبات مثل الإنترلوكين -8 (IL-8)، والإنترفيرون جاما (IFN-γ)، وC3a، وC5a، واللوكوتريين B4، والتي تستخدمها هذه الخلايا لتوجيه مسار مطارداتها. تتحرك الخلايا المتعادلة بسرعة تجاه البكتيريا باستخدام نوع من الحركة تسمى بالحركة الأميبية "Amoeboid Movement"، الذي يسمح لها بتغيير شكلها ودفع نفسها للأمام، وكأنها تلاحق الفريسة. عند وصول الخلية المتعادلة إلى البكتيريا، تقوم بعملية Phagocytosis حيث تبتلعها في حويصلة بلعمية (Phagosome) تندمج مع الجسيم الحال (Lysosome)، مشكّلةً بذلك البلعم الحال (Phagolysosome). داخل هذه الحويصلة، يتم تدمير البكتيريا باستخدام إنزيمات حالّة (Lytic Enzymes) وأنواع الأكسجين التفاعلية (ROS) الناتجة عن الانفجار التأكسدي، مما يؤدي إلى تكسير مكونات البكتيريا وقتلها. هذه التفسيرات الفيزيائية والكيميائية من المفترض أن تكون قد أزالت السحر عن العالم الحي (كما ادعى ماكس فيبر وغيره في بداية القرن الماضي)، ولكن في الحقيقة نحن ما زلنا مسحورين بهذا العالم! بل إن تلك التفسيرات العلمية أثارت بداخلنا المزيد من الأسئلة التي لن نتوقف عن طرحها! كيف ظهرت تلك الخلايا المناعية بإمكاناتها شديدة التعقيد وجاهزيتها القصوى للتصدي لشتى أنواع المُمرِضات pathogens الميكروية؟! طبعا الإجابة التطورية الداروينية حاضرة وجاهزة! نشأت بالتدريج! كما لو أن كلمة "التدريج" هي الكلمة السحرية التي من المفترض أن تخرس كل الأسئلة بداخلنا! كما لو أن افتراض الحلقات الوسيطة الشبحية كافيا لكبح جماح فضولنا العلمي! ولكن حتى أبسط الصيغ المقترحة لظهور الخلايا المناعية، وهي المستقبلات الخلوية التي تعرف بـ Pattern Recognition Receptors أو مستقبلات التعرف على الأنماط، تعد أعقد بكثير من أن تظهر كنتيجة للتجربة والخطأ الذي تفترضه الداروينية! هي في احتياج واضح إلى القصد والغاية لظهورها! ولو تجاوزنا عن ذلك، والتعامل مع الفرضيات التطورية يحتاج إلى أكبر طاقة ممكنة من التجاوز، وافترضنا أن ظهور ال PRRs كان نتيجة لضربة حظ سعيدة، فهل كانت كل خطوة أخرى نحو إكمال هذه القدرات الجبارة للخلايا المناعية، نتيجة أيضا لضربة حظ سعيدة؟ ريتشارد دوكينز لا يجد في ذلك إشكالا! ويخبرنا أنه يجب علينا أن نكون في امتنان لضربات الحظ السعيدة المتكررة التي أتت بنا إلى هنا! ريتشارد دوكينز هذا، بعقليته هذه، يحتفى به كعالم! أما نحن، وحينما نتجرأ ونتحدث عن الاحتياج للتصميم والذكاء، عن الاحتياج للترتيب الغائي للأجزاء بذكاء تجاه الوصول إلى تلك النهايات المشهودة، فنحن من ينبغي علينا أن نخرج خارج دائرة العلم! ربما علينا أن نناقش هذه الأمور في قاعات الفلسفة! أو الدراسات الدينية! حتى لا نستمر في إثارة غضب العالم الكبير نيل ديجراس تايسون! في الحقيقة، حينما تحدث دوكينز وتايسون بهذه الطريقة، تحدثوا كملحدين وليسوا كعلماء، ولا أنكر هنا أن دوكينز بيولوجي وتايسون فيزيائي فلكي، ولكن كلامهم في مثل هذه القضايا، لم ينبع سوى من إلحادهم. - عائشة — المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك https://www.facebook.com/braheen.org/videos/8669057499848614/

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.