لا يلزمنا إلا الأحذية لنصل إلى روما منطلقين من مدينة ميلان في إيطاليا، ولكننا سنحتاج إلى أكثر من مجرد أحذية للوصول إلى روما من جزيرة صقلية إذ لا بد من استعمال قارب، وللوصول إلى روما من كوكب المريخ سنحتاج إلى أدوات عالية…
لا يلزمنا إلا الأحذية لنصل إلى روما منطلقين من مدينة ميلان في إيطاليا، ولكننا سنحتاج إلى أكثر من مجرد أحذية للوصول إلى روما من جزيرة صقلية إذ لا بد من استعمال قارب، وللوصول إلى روما من كوكب المريخ سنحتاج إلى أدوات عالية التقنية جدا!
كذلك صنع جزيء (AMP) من المواد التي تستعملها الخلية يحتاج إلى أدوات عالية التقنية: الإنزيمات التي تحفز التفاعلات في طريق الاصطناع ضمن الخلية، وفي غياب الإنزيمات، فبكل بساطة لن تحدث التفاعلات التي وضحناها في (الشكل 7–1) .
النقطة التي ننبه عليها أنَّه حتى لو أمكننا صنع الأدنين أو (AMP) عبر طرق بسيطة فإن هذه الطرق البسيطة ليست سلفا للطريق البيولوجي المستخدم لتصنيع (AMP) إلا في حالة أن تكون الأحذية سلفا للسفن الفضائية!
ABCD
ولننظر في الطريق الاستقلابي حيث يتحول المركب (A) إلى (D) عبر جزيئين انتقاليين (B) و (C)، هل يمكن لهذا السبيل أن يتطور بالتدريج؟ إنْ كان (A و B و C) مركبات مفيدة للخلية، ولم تكنْ المركبات (B و C) وحتى (D) ضرورية للخلية منذ البداية، فالتطور البطيء قد يكون ممكنا، وبناء على هذه الرؤية يمكننا تصور خلية تنتج بعفوية المركب (A) ثم بدأت تراكم الطفرات ببطء حتى تنتج لاحقا وعفويا المركب B. وإنْ لم يحدثْ للخلية ضرر، يمكن بمرور الوقت أن تجد الخلية وظيفة ما للمركب (B)، ثم قد يتكرر الأمر وتسبب طفرة عشوائية أخرى للخلية إيجاد بعض جزيئات (C) من المركب (B)، ثم يتم إيجاد وظيفة ما للمركب (C) وهكذا.
ولنفترض أنَّ (D) كان ضروريًّا منذ البداية، فمركب (AMP) ضروريّ للحياة على الأرض: إذ يستخدم لصنع الحموض النووية (الدنا والرنا) وعدد من الجزيئات الضرورية جدا. قد توجد طريقة ما لإنشاء نظام حي لا يحتاج (AMP)، ولكن لا يملك أحد دليلا على كيفية إيجاد نظام حي دون وجود (AMP)، إنْ وجد هذا النظامُ الحي أصلا فالمشكلة بالنسبة للتطور الدارويني هي ما يلي: إنْ كان المركب النهائي لطريق تصنيع حيوي معقد يستخدم في الخلية فكيف يمكن لطريق التصنيع هذا أن يتطور تدريجيًّا عبر مراحل، وإنْ كانت المركبات (A و B و C) ليس لها أيَّةُ فائدة إلا كطلائع للمركب (D) فما هي الفائدة التي تجنيها الخلية من صنع المركب (A) فقط؟ أو ما فائدة صنع (A) حتى تصنع (B)؟ إنْ كان ما تحتاج الخلية حقيقة هو مركب AMP فماذا يفيدها أن تصنع فقط مركبات وسيطة كالمركب الثالث والرابع والخامس؟ ومن الجهة الأخرى نجد أن الجزيئات الوسطية غير المفيدة تشكل تحديات كبيرة للرواية الداروينية للتطور وهذا مؤكد بدرجة كبيرة لمركب مثل AMP لأنَّ الخليةَ لا تملك خيارات، فمركب (AMP) ضروري للحياة، إمّا أن تحصل الخلية مباشرة عليه عبر إنتاجه وإما أن تأخذه من الوسط الخارجي، وإلا ستموت الخلية.
بعض الكتب المدرسية ذكرتْ هذه المعضلةَ، وعبر عن التفسير التقليدي (توماس كريتون Thomas Creighton) باختصار:
"كيف يمكن للتعقيدات الكيميائية الحيوية في الطرق الاستقلابية أن تتطور؟ في حالة طرق التصنيع الحيوي التي تنتج لبنات البناء من الأحماض الأمينية والنكليوتيدات والسكاكر وغيرها من المحتمل أنَّ هذه المكوناتِ كانت موجودة في الحساء البدئي، واستخدمت مباشرة، ومع زيادة عدد الكائنات أصبحت هذه المركبات قليلة، وأيّ كائن أمكنه أن ينتجها من مركبات غير مستخدمة في الحساء البدئي عبر إنزيم طوره حديثا سيملك ميزة اصطفائية، وعندما يصبح توفر هذا المكون مقيدا لوجود الحياة سيتم اصطفاء الكائنات التي يمكنها أنْ تنتجه من مكونات أخرى في الحساء البدئي، ووفق هذه الرؤية فإن إنزيمات الطرق الاستقلابية قد تطورت في تسلسل معاكس لما نراه في طريق التصنيع الحالي".(9)
فما يقوله كريغتون ببساطة هو أنَّنا إنْ وجدنا طريق تفاعل في كائن حي معاصر يسير (A B C D) فإنَّ (D) كان متوفرًا في الحساء البدئي –أيْ صنع عبر طلائع كيميائية بسيطة دون استفادة من الإنزيمات، ومع تناقص الكميات المتوفرة من (D) ستتعلم بعض الكائنات تصنيع D انطلاقا من C، ومع نفاد كميات مركب C، بدأت تتعلم تصنيع C، من المركب B وعندما تحدث مجاعة أخرى ستتعلم تصنيع B من المركب A وهكذا. وهي الخطة نفسها التي يصفها كتاب (البيولوجيا الجزيئية للخلية Molecular Biology of the Cell) وهو كتاب متداول جدا كتبه (جيمس واطسن) الحائز على جائزة نوبل مع (بروس ألبرتس) رئيس الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم وعدد من الكتاب المساعدين الآخرين. ففي حاشية أحد الأشكال التوضيحية يحدثنا الكتاب عن الخلية البدائية بأن الحساء الأولي: "يوفر لها مؤنة من المواد ذات الصلة (A,B,C,D) التي تم إنتاجها بتصنيع ما قبل حيوي، وأحد المركبات D له فائدة استقلابية وبعد استهلاك الخلية لما يتوفر من D تحدث ميزة اصطفائية ناتجة عن تطور الخلية لإنزيم جديد قادر على إنتاج D من مركب قريب وهو C"ـ(10)
نعم يوافق الجميع على مسألة أنه إذا نفد من عندك المركب D يجب عليك صنعه من C، وبالطبع إنه لأمر سهل أن تحول B إلى C، بكل الأحوال نجدها متجاورة في الترتيب الأبجدي (B–C)، ومن أين نحصل على (A و B) والبقية؟ لا شك أنَّنا نحصل عليها من حساء الحروف الألفبائية البدئي.
وحقيقة لم يضعْ أحد أسماءً كيميائية حقيقيةً مطلقًا بجانب هذه الحروف الأسطورية في قصة (ABCD). ففي الكتب المدرسية التي ذكرناها أعلاه لم نرَ توسعًا في التفسيرات على الرسم الكرتوني أبعد من الحروف الأبجدية رغم أنَّ هذه الكتب موجهة لتدريس طلاب دكتوراه، يمكنهم استيعاب تفسيرات أعمق، ليس صعبا بالتأكيد تخيل بعض مركبات (C) تسبح في حساء بدئي ويمكن بسهولة تحويلها إلى (D). يتخيل (كالفن وهوبز) هذا دون أيَّة مشكلة ولكن سيكون أصعب علينا الاعتقاد بوجود الكثير من مركب (أدنيلو سوكسينات) أو المركب الانتقالي XIII، ليُحوّل إلى (AMP)، وأصعب منه الاعتقاد بوجود مركب كربوكسي أمينوإيميدازول ريبوتيد (المركب الانتقالي VIII) ينتظر دوره ليُحوّل إلى (5–أمينوإيميدازول–4–،ن–سوكسينيلوكاربوكساميد، ريبوتايد 5–aminoimidazole–4–,N–succinylocarboxamide ribotide أو المركب الانتقالي التاسع). وهذا صعب التصديق لأننا عندما نضع أسماء حقيقية للمركبات الكيميائية فعلينا عندئذ أن نقدم وصفا لتفاعلات كيميائية حقيقية يمكنها صناعة هذه المركبات ولم يقم أحد بهذا الأمر.
إنَّ المشكلات حول نظرية (ABCD) هائلة وسننظر في أهمها. أولا لم تعط تجارب الاصطناع ما قبل الحيوي أيَّا من المركبات الوسيطة اللازمة للاصطناع الحيوي لمركب (AMP) باستثناء المركب الوسيط العاشر،(11) ورغم إمكانية صنع الأدنين بتفاعل النشادر مع سيانيد الهيدروجين إلَّا أنَّه لا يمكن صنع الطلائع الكيميائية الحيوية للأدنين من النشادر وسيانيد الهيدروجين. ثانيا هنالك أسباب كيميائية قوية للاعتقاد بتعذر صنع المركبات الانتقالية في طريق التصنيع الكيميائي الحيوي إلّا بإشراف دقيق من الإنزيمات، على سبيل المثال إنْ لم توجدْ الإنزيمات المناسبة لتوجيه التفاعل إلى المركب الانتقالي الخامس والحادي عشر، فإنَّ الفورمات ستتفاعل على الأرجح تفاعلًا غير مفيد. نلاحظ وجوب وجود هذه الإنزيمات قبل تطور إنزيمات الخطوات اللاحقة، وإلَّا فإن هذه الإنزيمات لن تجد ما تعمل عليه؛ وهنالك أمر آخر يتعلق بالخطوات المستهلكة لحبيبات الطاقة، إذ يجب أن توجه توجيهًا دقيقًا حتى لا تُبَدَّد الطاقة في عمل لا نفع منه، فعلى سبيل المثال يمكن لطاقة البنزين أن تحرك السيارة، لأنَّهُ يسير في قنوات بطريقة صحيحة عبر آلة معقدة، ولكن حرق البنزين تحت السيارة لا يجعلها تتحرك مطلقا. وما لم يوجد إنزيم يوجه استعمال حبيبات الطاقة (ATP) فإن الطاقة تتبدد. لنلاحظ مرة أخرى وجوب وجود هذه الإنزيمات اللازمة لتوجيه استعمال حبيبات الطاقة قبل أن يملك الكائن الحي المادة الكيميائية التي ستصطنع في الخطوة التالية من طريق الاصطناع الحيوي.
المشكلة الثالثة في قصة (ABCD) هي أن بعض المركبات الانتقالية في طريق الاصطناع هي مركبات غير مستقرة كيميائيا، وهكذا فلو فرضنا رغم الصعوبات الجمة أنَّها صنعت بتفاعل قبل حيوي غير موجه، فإنَّها إمّا أنْ تتفكك بسرعة أو تتفاعل خطأً بسرعة، ومرة أخرى لن تكونَ متوفرةً لإتمام طريق الاصطناع.
هنالك أسباب أخرى لرفض رواية ( ABCD) ولكن فيما أوردناه الكفاية.
- د. مايكل بيهي، صندوق داروين الأسود، مركز براهين 2018، 213
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid0eo1sufaWbP9y1jh3TCUj37qUuXGiZyH7Bu4eQi32wZmS4K3VUctxM5R58xmAW9ZEl
