
مهما تشرح للتطوري أن إقراره وتأكيده على فكرة (التطور المتقارب convergent evolution) يطعن بشدة في فكرة (الانحدار المشترك common descent)، فغالبا لن يفهم! المشكلة أصلا أنه يظن أن نقله لما قرأه في الكتب الدراسية textbooks…
مهما تشرح للتطوري أن إقراره وتأكيده على فكرة (التطور المتقارب convergent evolution) يطعن بشدة في فكرة (الانحدار المشترك common descent)، فغالبا لن يفهم!
المشكلة أصلا أنه يظن أن نقله لما قرأه في الكتب الدراسية textbooks يكفي جدا لتوضيح الرأي العلمي في القضية، وأن أي محاولة للمعارضة هي بالضرورة محاولة غير علمية ومؤدلجة ودوغمائية ولها دوافع دينية وسياسية!
عزيزي التطوري، بما أنك للتو وصلت إلى كوكب معارضة التطور، فمرحبا بك!
دعنا نخبرك بعدة إمور إذن، أولها، أن العلم دائم التغير، عليك فقط أن تأخذ كتابا في تاريخ العلم، وستستوعب هذا الدرس بسهولة! هل فكرت يوما كيف كان وضع البيولوجيا قبل ظهور داروين؟ هل تظن أنه هو من أسس البيولوجيا مثلا؟ هل تظن أن داروين مثلا هو من اكتشف التشريح المقارن؟ في الحقيقة انطباعاتكم الذهنية عن محورية التطور الدارويني في البيولوجيا مذهلة! يقول د. مايكل دنتون: "العديد من مؤسسي علم البيولوجيا الحديث، وهم أنفسهم الذين اكتشفوا الحقائق الأساسية في علم التشكل (المورفولوجيا) المقارن، التي بنيت عليها البيولوجيا التطورية الحديثة، اعتبروا الطبيعة بشكل أساسي ذات أنماط معزولة ومتقطعة وفريدة وغير متصلة بتباينات انتقالية، وهو موقف يخالف الفكرة التطورية، ويبدو من الصعب جدًا التوفيق بينها وبين الفكرة الشائعة بأن كل حقائق البيولوجيا تدعم التفسير التطوري بشكل غير قابل للنقض".(1)
ثانيا، معارضي التطور قرأوا كتبكم الدراسية وفهموها وهضموها وتناولوها بالنقد والتفنيد في مؤلفاتهم منذ زمن بعيد! يعني أن تأتي الآن بعد 20 عاما من نشر كتاب (أيقونات التطور)، والذي يفضح التزويرات العلمية القابعة في كتب البيولوجيا الدراسية، وتظن أن ما يحتاجه العامة فقط هو أن تشرح لهم ما تقوله الكتب الدراسية، فأنت بلا شك كنت تعيش في كوكب آخر خلال الـ 20 عاما الماضية!
على الأقل حاول أن تفهم أن ما تدرسه على أنه حقائق قد تلقى الكثير من المعارضة من داخل الوسط العلمي خلال الـ 40 عاما الماضية -على أقل تقدير-، على الأقل حاول أن تنهض لمقابلة هذه المعارضة بالتفنيد بالأدلة العلمية المناسبة!
ثالثا، معارضي التطور يعارضونكم في صحة الأفكار الأصلية للنظرية، فكرة كفكرة أن التشابه دليل على الانحدار من سلف مشترك، فكرة مرفوضة بالنسبة لمعارضي التطور، التشابه بالنسبة لمعارضي التطور لا يمكن أن يكون "دائما" دليلا على الانحدار من سلف مشترك، ونرجو وضع الكثير من الخطوط أسفل كلمة "دائما". إذن هم يعارضونكم في المنطق الأساسي لهذه الأداة التفسيرية!
فما هو دليل هؤلاء إذن؟! دليلهم من نفس أدواتكم التفسيرية!
لكن دعونا نعود خطوة جميعا إلى الوراء، الآن جميعنا متساوٍ وليس لدينا أية التزامات نظرية ولا نحاول إثبات أي شيء، فقط أمامنا بعض البيانات، لدينا أبناء من سلف واحد، وهناك بينهم تشابه، هذه البيانات يراها كل الناس كل يوم! لا يوجد أحد عاقل يشكك في هذه الحالات في حدوث الانحدار من سلف مشترك. حسنا، دعنا ننتقل إلى مستوى أصعب، مستوى النوع الواحد، وبغض النظر عن تعريف النوع، لكن أفضل تفسير لوجود التشابه داخل إطار النوع الواحد هو الانحدار من سلف مشترك. ثم سنخرج من إطار النوع ليبدأ الخلاف بيننا وبينكم!
أنتم تقولون أنه بما أن أفضل تفسير للتشابه داخل إطار النوع الواحد هو الانحدار من سلف مشترك، فلا بد حتما أن يكون أفضل تفسير للتشابه في كل المستويات التصنيفية (الجنس والعائلة والرتبة والصف والشعبة والمملكة والنطاق) هو الانحدار من سلف مشترك، وهنا، يطلق معارضي التطور العديد من الأدلة الموثقة على خطأ هذا التعميم الجائر. ولكن ما يهمنا منها هنا، الدليل المستقى من نفس أدواتكم التفسيرية!!!!
أنتم حينما تصطدمون مع حفريتين بينهما تشابه مذهل كالذي بين الذئب الرمادي المشيمي والذئب التسماني الجرابي، هل تقولون هنا أن سبب التشابه هو الانحدار من سلف مشترك!
بالطبع لا!
ترجعون هذا التشابه إلى حدوث التطور المتقارب، أي أن كلا النوعين حصل على نفس السمات الشكلية بمعزل عن بعضهما، فأنتم تعرفون مسبقا أن أسلاف الجرابيات والمشيميات قد انفصلا منذ ما يقرب من 160 مليون عاما.
إذن، أنتم تؤمنون أنه لا توجد وسيلة لتفسير التشابه بين الكائنات الحية إلا الانحدار من سلف مشترك، وتؤمنون أن هناك وسيلة أخرى لتفسير التشابه بين الكائنات الحية بدون الانحدار من سلف مشترك!
إذا لم تفهم بعد، كيف يطعن التطور المتقارب في الانحدار المشترك، فأنا لا أعرف كيف يمكنك أن تفهم.
—
المصدر: منشور على صفحة «مركز براهين» في فيسبوك
https://www.facebook.com/braheen.org/posts/pfbid02TGDHaYKdfU3cC3RSYgRrrXax4sexiYr9S8Ug7SC7BDKyjVNZyLxqbQQsFXUrEXATl
