
تنبيه علمي حول تفسير معنى "فقدّره" في قوله تعالى:﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 19] فسّر بعض العلماء المتقدمين مصطلح "فقدّره" في هذه الآية على أنه يشير إلى تحديد الأجل أو وقت الموت أو رزق الإنسان وشقاوته…
تنبيه علمي حول تفسير معنى "فقدّره" في قوله تعالى:﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 19]
فسّر بعض العلماء المتقدمين مصطلح "فقدّره" في هذه الآية على أنه يشير إلى تحديد الأجل أو وقت الموت أو رزق الإنسان وشقاوته وسعادته، مستندين في ذلك إلى حديث النبي ﷺ:
"إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد"(رواه البخاري، رقم: 3208، ومسلم، رقم: 2643).
غير أن هذا الفهم يصطدم بثلاثة اعتبارات علمية وشرعية:
أولًا: السياق الزمني المختلف بين الآية والحديث
الآية الكريمة: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ تتحدث عن التقدير مباشرة بعد خلق الإنسان من النطفة، أي في لحظة التلقيح الأولى، حين تندمج نواة الحيوان المنوي مع نواة البويضة مكوّنة البيضة المخصبة (الزيغوت).
أما الحديث النبوي، فيتحدث عن مرحلة لاحقة بعد اكتمال 42 يومًا من عمر الجنين، حين يُرسل الملك ويُؤمر بنفخ الروح وبكتابة الأجل والرزق والعمل... إلخ. (انظر: النووي، شرح صحيح مسلم، باب "كيف يكون بدء الخلق"). ومن هنا يظهر الفرق بين "التقدير التكويني الوراثي" في الآية، و**"التقدير الكتابي الملكي"** في الحديث.
ثانيًا: الحقائق العلمية الحديثة
أثبت علم الأجنة والوراثة الجزيئية ما يلي:
أن البيضة المخصبة (Zygote)، منذ لحظة تكوينها، تحمل الجينوم الكامل (DNA) للإنسان، وهو الذي يحتوي على كل الشيفرات الوراثية التي تحدد صفاته الجسدية والعقلية، مثل:الجنس، الطول، لون العينين، فصيلة الدم، قابلية الإصابة بالأمراض، بل وحتى القدرات الإدراكية.(انظر: Alberts et al., Molecular Biology of the Cell, 6th ed., Garland Science, 2014)
يتم هذا التقدير البيولوجي الحاسم في لحظة التخصيب الجيني، لا بعد مرور 40 يومًا أو أكثر، وهو ما يتوافق مع المعنى الدقيق لكلمة "فقدّره" في الآية.
ثالثًا: اللغة القرآنية الدقيقة
"فقدّره" مشتقة من الجذر (ق-د-ر) الذي يدل على الإحكام والتحديد والتقدير بدقة.
وقد فسّر عدد من المفسرين هذا الفعل بأنه يشمل: تقدير الخلقة والصورة والصفات، وليس فقط الأجل.(انظر: الطبري، جامع البيان؛ الزمخشري، الكشاف؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.)
الخلاصة:
إن تفسير "فقدّره" على أنه تحديد الأجل أو الرزق لا يتسق مع السياق القرآني، ولا مع الترتيب الزمني الذي أوردته الأحاديث النبوية الشريفة، ولا مع الحقائق الجزيئية التي أثبتها العلم الحديث.وإنما الأرجح أن التقدير المقصود هو التقدير الوراثي الجزيئي الذي يحدث في لحظة التخصيب، حين تُخلق النطفة، ويُحدَّد الجينوم البشري. أما كتابة الأجل والرزق والعمل فهو مرتبط بنفخ الروح بعد 42 يوما
وهذا التوافق الدقيق بين اللفظ القرآني والحقائق البيولوجية يمثل وجهًا من أوجه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، الذي سبق العلم الحديث في الإشارة إلى لحظة التقدير الحقيقية في خلق الإنسان.
الدكتور محمد بورباب/عضو الهيئة العالمية لعلماء الاعجاز.
—
المصدر: منشور على صفحة «د. محمد بورباب» في فيسبوك بتاريخ 2025-05-17
https://www.facebook.com/bourbab.m/posts/pfbid02wXTpSM8PvVpuPEMbrDUw1Wjt5egSoiRWJuxUDe5oeoNpoPCBfL2tefPsyRfgXX8fl
