
في زمن تتسارع فيه التحولات، وتُعاد فيه صياغة العقول والهويات عبر وسائل الإعلام والتعليم والثقافة الجماهيرية، تبرز مسألة الهوية كقضية مصيرية، لا كمجرد نقاش ثقافي نخبوي. الهوية ليست سؤالًا للتأمل فقط، بل ميدانًا للمعركة…
العروبة والإسلام والغرب: هل يمكن إعادة بناء الهوية خارج مرجعية الوحي؟
في زمن تتسارع فيه التحولات، وتُعاد فيه صياغة العقول والهويات عبر وسائل الإعلام والتعليم والثقافة الجماهيرية، تبرز مسألة الهوية كقضية مصيرية، لا كمجرد نقاش ثقافي نخبوي. الهوية ليست سؤالًا للتأمل فقط، بل ميدانًا للمعركة بين من يريد للأمة أن تستأنف نهضتها من منطلق ذاتي، ومن يريد لها أن تُعاد تشكيلها على مقاس المنظومة الغربية.
في هذا السياق، كتب المفكر المغربي محمد عابد الجابري كتابه: "مسألة الهوية: العروبة والإسلام... والغرب"، ضمن سلسلة "قضايا فكرية"، في محاولة لتأصيل فهم حديث للهوية العربية في ضوء التحولات المعاصرة.
لكن السؤال الجوهري هو: هل يمكن إعادة بناء الهوية العربية من خارج المرجعية الإسلامية؟
العروبة والإسلام: جدل التكامل أم إزاحة المرجعية؟
الجابري قدّم قراءةً تعتبر :
• أن العروبة انتماء ثقافي قومي،
• والإسلام مرجعية روحية جامعة،
محاولًا الجمع بينهما دون أن يُخضع أحدهما للآخر.
ورغم أن هذا الطرح يبدو متوازنًا في ظاهره، إلا أنه يحمل إشكالية جوهرية: الإسلام ليس بُعدًا ثقافيًا ولا روحانيًا فقط، بل هو أصل ناظم، وإطار مرجعي أعلى.
فحين يُجعل الإسلام تابعًا للمشروع القومي أو مرجعًا معنويًا لا تشريعيًا، فإننا نكون قد استبدلنا مرجعية الوحي بمنهج العقلانية الوضعية. وهذا ما يقع فيه الجابري، حين يجعل من "الذات العربية" هي المركز، ويُعيد تأويل الدين داخل هذا الإطار، لا العكس.
الهوية والغرب: غياب السننية القرآنية
في تحليله للعلاقة مع الغرب، ينتقد الجابري التحامل الإعلامي الغربي على الإسلام والعرب، ويعزوه إلى خلفيات أيديولوجية استعمارية. لكنه يقدّم حلًا ناعمًا يتمثل في "عقلنة الخطاب" و"نقد الذات"، وكأنّ المعركة القائمة مجرد سوء تفاهم حضاري.
وهنا يغيب البُعد القرآني الذي يُقرّ بأن الصراع بين الحق والباطل سُنة ماضية إلى يوم القيامة، وأن المواجهة لا تكون فقط بالحجة والعقل، بل أيضًا بالبصيرة، والحكمة، والاستعداد: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة﴾
إنّ اختزال الصراع في بُعد ثقافي يُفرغ السنن الربانية من معناها، ويحوّل المواجهة إلى جدل نخبوي بدل أن تكون معركة حضارية متكاملة الأبعاد.
نقد الذات أم تفكيك المرجعية؟
من أهم ما طرحه الجابري هو دعوته إلى نقد الذات العربية وتفكيك بنيتها العقلية التاريخية. لكنه في هذا النقد اعتمد على أدوات المناهج الغربية (البنيوية، الأركيولوجيا، التاريخانية)، دون أن يخضعها لميزان الشريعة أو مقاصد الإسلام.
فكانت النتيجة أن أُقحم الإسلام في فضاء التأويل القومي، وتم التعامل مع الوحي كمادة تراثية لا كمرجعية متجاوزة. وهذا يُفضي – دون وعي – إلى علمنة الهوية وتحويلها إلى مشروع ثقافي لا ديني، يُعاد تشكيله على مقاس العصر، لا وفق الوحي.
---
في الميزان: بين وعي الإشكال وخطورة المسار
أثار ت أسئلة الجابري العلاقة بين الموروث والواقع، وبين الأصالة والمعاصرة، بنزع القداسة عن المرجعية، وإخضاع الإسلام لميزان قومي علماني.
الذي وَحَّد الأمة عبر القرون ليس العرق، ولا اللغة، بل الإسلام بوصفه دينًا ومنهاج حياة، وكل مشروع نهضوي يحاول فصل العروبة عن الإسلام، أو تأويل الدين ضمن حدود القومية، إنما يهدم الهوية وهو يظن أنه يُعيد بناءها.
خاتمة
الهوية ليست شعارًا ثقافيًا، ولا مشروعًا حداثيًا يُفصّل بأدوات الغرب، بل هي قضية وحي ووجود، ومن رام بناءها بغير مرجعية الإسلام، فقد هدمها بيديه وإن ظنّ أنه يُشيّد صرحًا من الفكر.
﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ سورة البقرة[137].
نحن نعيش فترة يتعرض لها الإسلام الى هجمة شرسة على جميع المستويات، ويبقى دوري ودورك داخل هذا الصراع أن نبين الحقيقة باللونين الأبيض والأسود وبدون ألوان ، ولعلك لمست هذا في توجهاتي عموما ، لأن العديد ممن تركوا بصمتهم المشؤومة في مجتمعنا الاسلامي، إستعملوا أوجها عدة للنيل من الإسلام من خلال أدواته، وإذا دخلت الى الرابط الذي يعرض المقالة فإنك تجد أحدهم يقول: بعد خمسين عامًا على طرح الجابري رؤيته للهوية القائمة على تكامل العروبة والإسلام كأساس لمشروع نهضوي عربي، يظهر الواقع اليوم تعثُّرَ هذه الرؤية بسبب:
1. فشل المشروع القومي: في تحقيق الوحدة أو مواجهة التحديات الخارجية، وتفكُّك العالم العربي إلى كيانات متصارعة.
2. صعود الإسلام السياسي: كمرجعية منافسة (بل سائدة في بعض المجتمعات) ضمن إطار قومي، ما عكس إشكالية الفصل بين الديني والقومي التي لم تحلّها مقاربته.
3. استمرار الهيمنة الغربية: ثقافيًا وسياسيًا دون تحقيق التكافؤ المنشود، بل مع تعمُّق الصراع الحضاري رغم محاولات عقلنة الخطاب.
هكذا بقي الحلّ الاجتهادي الجامع بين الأصالة والحداثة – خارج الثنائيات المُقدَّسة أو المستوردة – مُعطَّلًا.
وقد رددت عى أحدهم بما يلي:Ismail Aldawebe لقد أحسنت في تشخيص مظاهر تعثّر الرؤية التي قدّمها محمد عابد الجابري لمسألة الهوية، بقولك:
**بعد خمسين عامًا على طرح الجابري رؤيته للهوية القائمة على تكامل العروبة والإسلام كأساس لمشروع نهضوي عربي، يظهر الواقع اليوم تعثُّرَ هذه الرؤية بسبب:
1. فشل المشروع القومي: في تحقيق الوحدة أو مواجهة التحديات الخارجية، وتفكُّك العالم العربي إلى كيانات متصارعة.
2. صعود الإسلام السياسي: كمرجعية منافسة (بل سائدة في بعض المجتمعات) ضمن إطار قومي، ما عكس إشكالية الفصل بين الديني والقومي التي لم تحلّها مقاربته.
3. استمرار الهيمنة الغربية: ثقافيًا وسياسيًا دون تحقيق التكافؤ المنشود، بل مع تعمُّق الصراع الحضاري رغم محاولات عقلنة الخطاب.
هكذا بقي الحلّ الاجتهادي الجامع بين الأصالة والحداثة – خارج الثنائيات المُقدَّسة أو المستوردة – مُعطَّلًا.**
من خلال رصد فشل المشروع القومي، وصعود الإسلام السياسي كمرجعية بديلة، واستمرار الهيمنة الغربية ثقافيًا وسياسيًا رغم محاولات عقلنة الخطاب.
غير أني أتحفظ على عبارتك الأخيرة:
"بقي الحلّ الاجتهادي الجامع بين الأصالة والحداثة – خارج الثنائيات المقدسة أو المستوردة – مُعطّلاً"
لأنها – رغم نبل مقصدها – تُوحِي بأن المرجعية الإسلامية (الوحي) هي مجرّد طرف في ثنائية فكرية ينبغي تجاوزها، كما ينبغي تجاوز المفاهيم المستوردة.
وهذا في تقديري خلطٌ بين "المرجعية المتعالية" و"الخيارات الأيديولوجية الوضعية". فالوحي ليس ثنائية فكرية نختارها أو نؤوّلها بحسب مقتضيات العصر، بل هو ميزانٌ حاكم يُحتكم إليه في تأصيل كل اجتهاد، سواء في الأصالة أو في الحداثة.
إن الحلّ الاجتهادي لم يُعطَّل لأنه بقي حبيس "الثنائيات"، بل لأنه جُرّد من مرجعيته الشرعية، وتم التعامل مع الإسلام كمجال ثقافي أو تراثي، لا كنظام هداية رباني.
وكل محاولة لإعادة بناء الهوية بعيدًا عن هذا الأصل الناظم، إنما تقع – من حيث لا تشعر – في مشروع علمنة الهوية، ولو رفعت شعار الاجتهاد أو التأصيل أو التوفيق بين الموروث والواقع.
إن المخرج الحقيقي يكمن في اجتهاد مؤسّس على الوحي، وواعٍ بسنن الله في الاجتماع البشري، اجتهادٍ يُفعّل مقاصد الإسلام في ضوء المستجدات، لا أن يخضع الوحي لمناهج تأويل خارجية، ثم يُطلب منه أن يتكيّف مع الواقع ولو كان مُتناقضًا معه في الجوهر.
"فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولّوا فإنما هم في شقاق، فسيكفيكهم الله، وهو السميع العليم"
[البقرة: 137]
أخيرا، أؤكد منهجي في التعامل بالأبيض والأسود مه مثل هؤلاء لأنهم مضللون.
د. محمد بورباب
رئيس هيئة الاعجاز بالمملكة المغربية
عضو الهيئة العالمية لعلماء الإعجاز
المشرف العام على تحرير مجلة إعجاز الدولية للبحث والتأمل العلمي
رئيس المؤتمر الدولي للاعجاز بتطوان/المملكة المغربية
—
المصدر: منشور على صفحة «د. محمد بورباب» في فيسبوك بتاريخ 2025-07-31
https://www.facebook.com/bourbab.m/posts/pfbid05ARQ2p8cFpZouWkvKoaCCaEEajK7w1Dqqino7rGKJpA3YNEegT37TC15CsULz4XTl
