
﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾) سورة البقرة: الآية 164 ( تمثل هذه الآية الكريمة نموذجًا رائعًا للإعجاز العلمي والبياني في القرآن الكريم، حيث تقدم حقيقة علمية دقيقة بلغة بليغة وشاملة…
التفسير العلمي والبياني لقول الله تعالى:
﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾) سورة البقرة: الآية 164 (
تمثل هذه الآية الكريمة نموذجًا رائعًا للإعجاز العلمي والبياني في القرآن الكريم، حيث تقدم حقيقة علمية دقيقة بلغة بليغة وشاملة، تتجاوز حدود الزمان والمكان.
أولاً: الإعجاز العلمي في الآية
1. إشارة إلى قانون الطفو (قاعدة أرخميدس):
تصف الآية السفن (الفُلْك) بأنها "تجري في البحر" وليس "عليه"، وهو تعبير دقيق يعكس حقيقة فيزيائية وهي أن السفينة تكون غائصة جزئيًا في الماء، وهي تعمل ضمن مبدأ الطفو.
قانون الطفو: ينص على أن "القوة التي يبذلها السائل لدفع الجسم المغمور إلى الأعلى تساوي وزن السائل الذي يزيحه هذا الجسم". فالسفينة، رغم ضخامتها وثقلها، تزيح كمية من الماء وزنها يساوي وزنها كله، فتنشأ قوة دافعة (قوة الرفع) تمنعها من الغرق وتجعلها تجري في حالة اتزان ديناميكي.
سبق القرآن العلمي: صاغ العالم اليوناني أرخميدس هذا القانون في القرن الثالث قبل الميلاد، لكن تطبيقه العملي في بناء السفن الكبيرة والقادرة على الإبحار بثبات تطور بشكل كبير بعد نزول القرآن بقرون. إشارة القرآن إلى هذه الظاهرة في بيئة صحراوية كانت تعرف سفنًا بدائية يؤكد على مصدره الإلهي.
2. دقة مصطلح "تجري" وديناميكية الحركة:
لم يقل القرآن "تمشي" أو "تثبت" أو "تطفو"، بل استخدم كلمة {تَجْرِي} التي تحمل معاني:
السيولة والانسيابية: وهو وصف يتطابق تمامًا مع قوانين ديناميكا الموائع (Fluid Dynamics) في الفيزياء الحديثة، التي تدرس حركة الأجسام الصلبة في السوائل والغازات، حيث تكون الحركة انسيابية وديناميكية وليست صلبة أو ميكانيكية بحتة.
الاستمرارية والسرعة: فالجريان يفيد استمرارية الحركة وسرعتها النسبية، وهو ما ينطبق على حركة السفن بفعل قوى الدفع والرياح والتيارات المائية.
3. الشمولية العلمية للمفهوم (التوسع المعاصر):
• الغواصات:
لا تنطبق الآية فقط على السفن فوق سطح الماء، بل أيضًا على الغواصات التي "تجري" داخل أعماق البحر، حيث تخضع لنفس قانون الطفو ولكن بطريقة متحكم فيها.
• السفن الفضائية:
يتسع المعنى ليشمل "سفن الفضاء" التي تجري في ما يمكن تسميته مجازًا "بحر الكون" الفسيح، مستخدمة قوانين الدفع والجاذبية للملاحة بين الكواكب والنجوم. فالحركة في الفضاء هي أيضًا حركة انسيابية وديناميكية.
ثانيًا: الإعجاز البياني واللغوي
1. إعجاز اختيار اللفظ {تَجْرِي}:
كلمة "تجري" هي الأنسب بيانيًا لوصف حركة السفن، بعكس كلمات مثل "تسير" أو "تتحرك" الأقل دقة وتعبيرًا.
• من الناحية اللغوية:
o "الجري" في العربية يُستعمل للحركة السريعة والانسيابية في الماء أو في سياقٍ يتطلب دفعًا واستمرارًا.
o بينما "السير" يُستعمل غالبًا في المشي على اليابسة، و"التحرك" لفظ عام لا يعطي الإحساس بالانسياب أو الاندفاع.
• من الناحية العلمية:
o السفينة لا تتحرك بنفسها، وإنما يجري بها الماء والرياح، فهي مرتبطة بجريان المائع من حولها.
o كلمة "تجري" تحافظ على هذا المعنى الفيزيائي الدقيق، إذ أن حركة السفينة ليست ذاتية بالكامل، بل مرتبطة بدفع خارجي (تيار ماء – رياح – قوة دفع محرك).
• من الناحية البلاغية:
o لفظ "تجري" يوحي بالانسياب والنعومة والاستمرار بلا انقطاع.
o كما أن في الكلمة موسيقى تصويرية تتلاءم مع صورة السفينة في البحر.
ولهذا جاء التعبير القرآني:﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: 164].
فالجريان هو اللفظ الأكثر دقة وشمولية، يعبّر عن الحركة الواقعية، ويجمع بين الدقة العلمية والروعة البيانية.
2. العمق في حرف الجر {فِي}:
قال تعالى {فِي الْبَحْرِ} وليس "عَلَى الْبَحْرِ"، وهذا يعزز الدقة العلمية، حيث إن جزءًا من جسم السفينة يكون غائصًا داخل الماء، كما أن هذا التعبير يشمل الغواصات التي تعمل بالكامل في جوف البحر.
3. الربط بين الوسيلة والغاية: {بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ}:
يربط القرآن الكريم بين الظاهرة التقنية (السفن) والغاية الإنسانية النبيلة (المنفعة). هذه السفن تنقل الناس وتيسر التجارة وتقرب البعيد، وهي نعمة إلهية.
يشمل النفع المادي (التجارة، السفر) والمعنوي (التواصل بين الشعوب، طلب الرزق، التعلم). بينما قد يكتفي العلم المادي بشرح القانون الفيزيائي المجرد، يربطه القرآن دائمًا بالقيمة والغاية والحكمة.
4. العموم والإيجاز:
الآية موجزة وشاملة، لم تحدد نوع البحر (ماء مالح أم عذب)، ولا نوع السفينة، ولا زمانها، مما يفتح الباب لتطبيق المعنى على كل ما يخترق وسطًا سائلاً أو غازيًا بغرض النفع، من أقدم القوارب إلى أحدث الصواريخ.
الخاتمة: جوهر الإعجاز تجمع هذه الآية العظيمة في إيجاز بليغ بين:
الحقيقة العلمية الدقيقة (قانون الطفو وديناميكية الحركة).
الصورة البيانية البديعية (قوة تعبير كلمة "تجري").
البعد الإنساني والأخلاقي (غاية النفع للبشرية).
السبق الزمني، حيث أشارت إلى قوانين لم تكتشف إلا بعد قرون.
وهذا كله يشهد على أن القرآن كلام الله العليم الذي أحاط بكل
شيء علمًا، وأنه معجزة خالدة تتجلى حقائقها لكل عصر وآن.
عن كتاب التفسير العلمي والإعجاز العلمي للقرآن الكريم
للدكتور محمد بورباب
—
المصدر: منشور على صفحة «د. محمد بورباب» في فيسبوك بتاريخ 2025-08-26
https://www.facebook.com/bourbab.m/posts/pfbid02xyfUac2dhTbV4eJ56BiL4couutxSJ3H8uGH5nWVDCSq63dv1Ps6KUqjENmj1Sptnl
