
الربط بين المبدأ القرآني الخالد ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ (البقرة: 126) وأزمات المنظومات المادية المعاصرة الإعجاز الاجتماعي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ…
الربط بين المبدأ القرآني الخالد ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ (البقرة: 126) وأزمات المنظومات المادية المعاصرة
الإعجاز الاجتماعي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾
تمثل هذه الآية مبدأً قرآنيًا خالدًا في فهم قوانين الاجتماع البشري، فهي تضع قاعدة كلية في توزيع المتاع الدنيوي والجزاء الأخروي: متاع دنيوي مشترك بين المؤمن والكافر، لكنه محدود بزمنٍ، منقطع عن الامتداد الروحي والمعنوي، ثم جزاءٌ نهائي يقوم على الإيمان والعمل.
إنها قاعدة تأسيسية لما يمكن تسميته بـ الإعجاز الاجتماعي في القرآن الكريم، لأنها ترسم معالم مجتمع الرحمة الشاملة والعدالة المؤجلة، وتكشف في الوقت ذاته علّة انهيار النماذج المادية المنفصلة عن السنن الإلهية في التاريخ.
أولًا: المبدأ القرآني في تأسيس المجتمع المتوازن
الآية تقرر ركيزتين لبناء المجتمع الإنساني:
1. المنفعة العامة الشاملة (الأمن والرزق): وهي تشمل جميع الناس، مؤمنين وكافرين، لأن الله كتب الرحمة على نفسه.
2. التمييز القيمي (الإيمان): وهو مناط الجزاء الأخروي، فلا يُحاسَب الناس في الدنيا على العقيدة، بل على العدل والإحسان.
بهذا المبدأ، يبني القرآن نموذجًا للمجتمع الجاذب المستقر القائم على الرحمة والعدل معًا، لا على الصراع أو الإقصاء.
ثانيًا: انهيار النظم البشرية الحديثة الثلاثة الكبرى
1. المنظومة الثيوقراطية (نموذج النظام الشيعي السياسي وغيره من أنظمة الوطن العربي)
يمثل النظام القائم على "ولاية الفقيه وأشباهه في الوطن العربي" انقلابًا على المبدأ الإسلامي الذي دعا إلى الأمن العام والرزق المشترك، فقد جعل الأمن والامتيازات حكرًا على الموالين، واستبدل العدالة الشاملة بعدالة الولاء الطائفي. وبهذا تحوّل شعار "نصرة المستضعفين" إلى أداة استضعاف جديدة، وأصبح المجتمع منغلقًا، خائفًا، منقسمًا على ذاته.
وهو بهذا انهيار أخلاقي واجتماعي قبل أن يكون سياسيًا، لأنه خالف سنن الاسلام في الرحمة والعدل، وتجلّت فيه "أُمَتِّعُهُ قَلِيلًا" في صورة سلطةٍ متضخّمةٍ بلا استقرار ولا بركة.
2. المنظومة الشيوعية (نموذج الاتحاد السوفييتي)
يمثل النظام الشيوعي التجسيد الآخر للمبدأ نفسه، ولكن من زاوية مختلفة:
• محاولة إلغاء الدين والملكية الخاصة بزعم تحقيق المساواة المطلقة، أدت إلى قمع الفطرة الإنسانية، وتحويل الدولة إلى إلهٍ ماديٍّ يوزّع "المتاع" بالقسر لا بالحرية.
• في بداياته، تمتع أتباعه بقوة مادية وصناعية هائلة – تجسيدًا لعبارة "أمتعه قليلاً" – لكن النظام انهار داخليًا حين اصطدم بجفاف القيم الروحية.
• انهارت العدالة الاجتماعية المزعومة بسبب غياب الرحمة والإيمان، وتحولت الشعارات إلى أدوات قهر.
• النتيجة: تفكك الاتحاد السوفييتي، وتشتت المنظومة الأيديولوجية التي حاولت أن تبني الجنة على الأرض من دون الله.
لقد تحقق فيها المبدأ القرآني بحذافيره: متاع قصير أعقبه اضطرار إلى عذاب الانهيار، الاقتصادي والسياسي والروحي.
3. المنظومة الرأسمالية (النموذج الغربي والأنظمة العربية المادية الشبيهة)
على الضفة المقابلة، حققت الرأسمالية وفرة مادية هائلة، لكنها فصلت الرزق عن الأمن، فجعلت المال معبودًا جديدًا.
يتجلّى "الإمتاع القليل" في مظاهر الرفاه، لكنه متاعٌ مقلق، بلا سكينة ولا معنى:
• أمن اقتصادي هش: أزمات ديون وتفاوت طبقي.
• أمن اجتماعي منهار: تفكك الأسرة والعزلة النفسية.
• أمن روحي مفقود: قلق وجودي وفراغ قيمي.
وهكذا يعيش الإنسان الحديث عذابًا داخليًا في دنيا الوفرة، قبل العذاب الأخروي الموعود.
ثالثًا: الخلاصة – التوازن القرآني في مواجهة الانهيار
النظم الثلاثة، رغم اختلافها في الشعارات، تشترك في مخالفة السنن الإلهية:
• الثيوقراطية ألغت الرحمة العامة باسم الدين.
• الشيوعية ألغت الإيمان باسم المساواة.
• الرأسمالية ألغت العدالة باسم الحرية.
والنتيجة واحدة: انهيار داخلي شامل — أخلاقي، واجتماعي، وروحي.
أما النموذج القرآني فهو وحده الذي يجمع بين:
• الرحمة: رزق وأمن شامل للجميع في الدنيا.
• العدل: جزاء قيمي في الآخرة.
الخاتمة:
لقد تجسّد قوله تعالى ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ في التاريخ الحديث على شكل دورات حضارية متكررة، تُظهر أن المجتمعات التي تفصل بين الرزق والأمن، أو بين العدالة والإيمان، تُمنح متاعًا قصيرًا يعقبه انهيار حتمي.
إنها الآية التي تختصر قوانين صعود وسقوط الحضارات في جملة واحدة، وتثبت أن السنن الإلهية لا تحابي أحدًا، وأن الإعجاز القرآني لا يزال حيًا في نبض التاريخ المعاصر.
—
المصدر: منشور على صفحة «د. محمد بورباب» في فيسبوك بتاريخ 2025-10-03
https://www.facebook.com/bourbab.m/posts/pfbid0zYRFAF7Wc1q2G2rpCvxqLFMFaYaPGxUDx7fWeEKQiHGTKMQENr4vA4RvXYvukCckl
