إعجاز علمي

الإعجاز في قوله تعالى: وهو ألد الخصام

4 دقائق للقراءة
الإعجاز في قوله تعالى: وهو ألد الخصام

الإعجاز في قوله تعالى:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا…

الإعجاز في قوله تعالى:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾البقرة: ] 204–205[ رؤية مستقبلية في زمن الجاهلية والفساد السياسي والبيئي في زمنٍ لم يكن للإنسان علمٌ بالنُّظم البيئية، ولا بالمشكلات السياسية والاقتصادية المعقدة، تجلّى الإعجاز القرآني في وصفٍ بالغ الدقة للسلوك الإنساني المفسد، الذي يهدِّد استقرار الحياة على الأرض. فهذه الآية الكريمة لا تصف حالةً فردية عابرة، بل ترسم نموذجًا إنسانيًا متكرّرًا في التاريخ: مظهرُه الإصلاح وباطنُه الإفساد، وشعاره التنمية بينما هو في حقيقته تدمير للحياة والإنسان والبيئة. أولاً: مفهوم الفساد البيئي في الموازنة الإلهية الفساد في الأرض ـ كما يبيّنه القرآن ـ مفهومٌ شاملٌ يتجاوز الانحراف الأخلاقي إلى كلِّ ما يخلّ بالنظام الكوني الذي أودعه الله في الخلق. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. فالقرآن يربط بين فساد الإنسان الخُلقي والسلوكي وفساد البيئة من حوله؛ لأن الإنسان جزء من منظومة الخلق، فإذا أخلّ بالميزان الرباني ظهرت آثار فساده في البرّ والبحر والجوّ. ثانيًا: النظام الإسلامي المتكامل لحماية البيئة قدّم الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا منظومةً ربانيةً متكاملة لحماية البيئة وصيانة التوازن الحيوي، من خلال: • حقوق المخلوقات جميعها: فالبيئة ليست ملكًا للإنسان وحده، بل هي أمانة مشتركة بين جميع الكائنات. • المسؤولية الفردية والجماعية: جعل الإسلام حماية البيئة عبادةً، فقال ﷺ: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة». • الحفاظ على الماء والتراب والطبيعة: في قوله ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، إشارة إلى طهارة البيئة كمقوم أساسي للعبادة. • الرحمة بالكائنات: دعا الإسلام إلى الرفق بالحيوان والنبات، وجعل الإحسان إليهما طريقًا إلى رضا الله. ثالثًا: التوازن البيئي في الشريعة الإسلامية إنَّ التوازن الذي يقوم عليه الكون هو مظهرٌ من مظاهر الميزان الإلهي الذي أمر الله بإقامته وعدم الإخلال به، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 9]. ولهذا جاء التحذير الإلهي: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]. إنها دعوة ربانية إلى حفظ الاتزان الكوني من عبث الإنسان وجشعه، فالإصلاح الحقيقي هو في الحفاظ على التوازن بين موارد الأرض واحتياجات الإنسان، لا في استنزافها بدعوى “التقدم” أو “الحداثة”. رابعًا: تنبؤات قرآنية تحققت في عصرنا لقد شهد عصرنا الحديث مظاهر مروّعة للإفساد البيئي، تؤكد صدق الإعجاز القرآني في توصيف هذا السلوك قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا: • الانبعاثات الحرارية وتغيّر المناخ • التلوث الصناعي للبر والبحر والجو • انقراض الأنواع الحية واختلال السلاسل الغذائية • التصحّر ونضوب الموارد المائية وكلّها شواهد على قوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، وهي دعوة إلى التوبة البيئية قبل فوات الأوان. خامسًا: الإفساد السياسي والاقتصادي في منظومة القوى العالمية قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]. إنّ من أبرز صور الفساد المعاصر ما تمارسه القوى السياسية والاقتصادية العالمية، التي ترفع شعار “الإصلاح” بينما تنشر الظلم والاستغلال. أ. الرأسمالية الجشعة: إفسادٌ منظّم باسم الحرية الاقتصادية، يقوم على: • تكديس الثروات في يد القلة، • استعباد الشعوب بالديون، • تحويل الإنسان إلى آلة استهلاك، • ونهب موارد الأمم باسم “الاستثمار”. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]. ب. الشيوعية المدّعية: طغيانٌ باسم المساواة، تمارسه الأنظمة التي تسحق الفرد في آلة الدولة وتمنع الحريات باسم الجماعة، وتهدم القيم الروحية باسم التقدم المادي. وقد صوّرها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205]. سادسًا: الإسلام.. الوسطية والرحمة والعدل جاء الإسلام ليقدّم البديل الرباني العادل بين الإفراط والتفريط: • لا جشعَ الرأسمالية ولا طغيانَ الشيوعية، • حريةٌ مسؤولة وعدالةٌ اجتماعية، • توازنٌ بين الفرد والمجتمع، • رحمةٌ بالكائنات واحترامٌ للطبيعة. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]. خاتمة لقد سبق القرآن الكريم كلَّ المواثيق الدولية والأنظمة البيئية الحديثة في الدعوة إلى حماية الأرض والإنسان، وربط بين الفساد الأخلاقي والسياسي والبيئي برباطٍ واحدٍ هو انحراف الإنسان عن المنهج الإلهي. وستبقى الآية الكريمة شاهدًا على أن الإصلاح لا يكون بشعارات البشر، بل بمنهج الله الذي يُقيم الميزان ويُصلح الحرث والنسل، ويحفظ الحياة من الفساد. من كتاب التفسير العلمي والاعجاز العلمي/ سورة البقرة للدكتور محمد بورباب — المصدر: منشور على صفحة «د. محمد بورباب» في فيسبوك بتاريخ 2025-10-10 https://www.facebook.com/bourbab.m/posts/pfbid02jRgLY1CeDoy5iEyKqaXsQrHx4wvvu7oeeEd1Su8Fx3Aq1xEAZZPcTLW6th5J4pjMl

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد — كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.