
الذي يحفظ توازن هذا الكون الهائل هو نفسه الذي يطّلع على أدق حركات النفس الإنسانية. لماذا؟ لأنه خالق الاثنين ﴿۞لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ…
الذي يحفظ توازن هذا الكون الهائل هو نفسه الذي يطّلع على أدق حركات النفس الإنسانية. لماذا؟ لأنه خالق الاثنين ﴿۞لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)﴾
تتكرر هذه الخاصية من خصائص الخطاب القرآني على امتداد آيات القرآن الكريم،
﴿قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29))﴾ س آل عمران
﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4)﴾ س التغابن
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ س الأنعام3
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (يونس: 61)
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: 3)
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: 61]،
وجه الاعجاز:
1.الاتساع والشمول: من الذرة إلى المجرة
تُظهر هذه الآيات الكريمة:
بأن علم الله لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض. هذا يشمل:
• المستوى الكوسمولوجي (الكوني): توازن المجرات، قوانين الفيزياء، توسع الكون، الثقوب السوداء.
• المستوى الميكروسكوبي (الدقيق): عالم الذرات والجزيئات والكواركات، وقوانين ميكانيكا الكم.
هذا الاتساع المطلق (لا أصغر من ذلك ولا أكبر) يخلق في نفس المؤمن إحساسًا بأنه يعيش في كون "مُراقَب" ومُحكم بدقة فائقة، لا مكان للصدفة أو العشوائية فيه.
2. 2. الإحاطة والاستمرارية: السر والعلن
يؤكد القرآن أن علم الله ليس مجرد علمٍ بالماضي أو بالمستقبل، بل إشراف دائم ومستمر:
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7]،
﴿يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [التغابن: 4].
تشمل هذه الإحاطة:
• الخواطر والنيّات قبل أن تتحول إلى أفعال.
• المشاعر المكبوتة من حب أو حقد أو غيرة.
• الأسرار والبواطن التي لا يجرؤ الإنسان على البوح بها لأقرب الناس إليه.
إنها رقابة إلهية غير مرئية، تجعل علم الله فعلاً حيًّا مستمرًا، لا مجرد معلومة ساكنة، تماما كما هو الشأن على المستوى الكوسمولوجي (الكوني).
3. وجه الإعجاز والتكامل: وحدة المصدر ووحدة التدبير
هنا تكمن العبقرية في الخطاب القرآني كما أشرتِ:
• في الآفاق/ الكون المنظور: يظهر الإعجاز في ثبات القوانين الكونية (Constants Cosmologiques) والدقة المتناهية التي تحفظ التوازن الكوني. ) هذه الدقة لا يمكن أن تكون نتاج صدفة، بل تدل على "مسك" وإمساك دائمين، كما في آية فاطر. هذا النظام هو الشاهد على قدرة الخالق وعلمه.
• وفي الأنفس/ الكون غير المنظور يتميز بالتعقيد والخفاء. النفس البشرية بعواطفها المتقلبة ونواياها الخفية وأسرارها، هي كون قائم بذاته، حيث يظهر الإعجاز في التعقيد النفسي والروحي، الذي لا يقل عمقًا عن تعقيد المادة والطاقة.
الربط الجوهري هو: الذي يحفظ توازن هذا الكون الهائل هو نفسه الذي يطّلع على أدق حركات النفس الإنسانية. لماذا؟
• لأنه خالق الاثنين: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك: 14). من خلق السماوات والأرض هو نفسه الذي خلق النفس البشرية، فالعلم بالخلق من لوازم الخالق.
• لأنه مدبر الاثنين: الكون لا يسير بمعزل عن إرادة الله، والنفس لا تخرج عن مشيئته. التدبير واحد لأنه المدبّر واحد.
4. الآثار السلوكية والعقدية : من التصوّر إلى السلوك
الربط بين علم الله بالآفاق وعلمه بالأنفس ليس مجرد تصور فكري، بل يثمر آثارًا عملية في حياة الإنسان (Conscience)تجعل الإنسان في حالة من:
• المراقبة الذاتية: وعي دائم بأن الله مطّلع على السر والعلن، مما يولّد خَشيةً داخلية تردع الإنسان عن الظلم والفساد حتى في غياب الرقيب البشري، لأنه يعلم أن خالقه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور..تماما كما يعلم خبايا هذا الكون الهائل ويشرف عليه.
• الطمأنينة والدفء العقيدي: في عالم مليء بالاضطراب، وفي مواجهة تعقيدات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية يمنح الإيمان بعلم الله المطلق شعورًا بالأمان والعدل الإلهي ، ويشعر المؤمن أنه ليس وحيدًا. هناك قوة عادلة عليمة تراه وتسمعه وتعلم ظرفه ونيته. هذا يمنحه شعورًا بالأمان والعدل الإلهي، حتى لو غاب العدل البشري.
• الإخلاص: عندما تعلم أن الله يعلم ما في نفسك، ويعلم نياتك، يتوجه قلبك إلى الصفاء في العمل، وتسعى لتكون نيتك خالصة له في كل عمل، صغيره وكبيره.
• التوازن: هذا الربط يمنع الفصام بين "الدين" و"العلم". فالإله الذي نعبده هو نفسه الذي وضع القوانين الفيزيائية والكيميائية التي تُدرَس.، وهو نفسه الذي وضع قوانين الفيزياء والكيمياء التي يمشي عليها الكون، والتي ندرسها. وهذا يخلق تكاملاً في الشخصية المسلمة.
• الربط القرآني بين علم الله بالآفاق وعلمه بالأنفس هو مفهوم علمي تؤكده الدراسات الفيزيائية: فالخالق الذي يسند الكون ويحفظه بثبات القوانين الكونية هو نفسه الذي يسند الإنسان ويعلم ما تسر نفسه وما تعلنه،
﴿۞لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)﴾
لذلك، فإن هذا الأسلوب من أعظم أساليب التربية القرآنية، الذي يصنع إنسانًا مسؤولًا، واعياً، متوازناً، يعيش في الدنيا بعين الله، وهو على يقين بأن من يمسك السماوات والأرض، هو من يمسك الإنسان، مما يجعله محاسبًا نفسه قبل أن يحاسب، ومطمئنًا إلى أن عدل الله سيحقق ما فات فيه عدل البشر.
الخاتمة: الإشراف الإلهي الشامل من الذرة إلى النفس
تتجسد في قوله تعالى:
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16]
ذروة الجمع بين العلم الكوني الدقيق والعلم النفسي الباطني في إطار واحد من الإحاطة الإلهية المطلقة.
فـ"مثقال حبة من خردل" ترمز إلى أدق وحدة يمكن للعقل أن يتصورها، وهي اليوم أقرب ما يُفهم علميًا بمستوى الجسيمات دون الذرية (Subatomic Particles) والثوابت التي تحكمها.
و"في السماوات أو في الأرض" تمتد لتشمل الفضاء الكوني كله، من مجرات عملاقة وثقوب سوداء وثوابت فيزيائية تحفظ التوازن الكوني.
أما قوله تعالى: "يأت بها الله"، فيعبّر عن الإشراف المباشر والفعلي الذي لا تغيب عنه أدق الجزئيات ولا أخفى النيات، إذ يشمل علم الله المادي والمعنوي، الكوني والنفسي معًا.
وهذا هو ما أدركه بعض كبار العلماء المعاصرين في ضوء الثوابت الكونية؛ فالفلكي فريد هويل (Fred Hoyle) يقول:
"إن الفهم السليم للحقائق العلمية يقودنا إلى الاعتراف بأن عقلًا أعلى قد تدخّل في فيزياء الكون وكيميائه وأحيائه، فلا توجد قوى عمياء في الطبيعة جديرة بالذكر."
—
المصدر: منشور على صفحة «د. محمد بورباب» في فيسبوك بتاريخ 2025-10-12
https://www.facebook.com/bourbab.m/posts/pfbid02rKAnqN2ECR8jQzfq7gUc32ms62KrFrR7tpR2uHd6SNhXTJxA78boChSWEc4m5dDSl
