
يتميّز الخطاب القرآني بكونه موجَّهًا إلى الإنسان في كل زمان ومكان، يتجاوز حدود الزمان والجغرافيا واللغة، ويخاطب الفطرة والعقل والوجدان معًا. وفي هذا الإطار، يبرز القرآن الكريم من خلال إشاراتٍ كونيةٍ دقيقة إلى ظواهر لم…
6. إعجاب خطاب القرآن والسنة الشامل لكل البشرية
يتميّز الخطاب القرآني بكونه موجَّهًا إلى الإنسان في كل زمان ومكان، يتجاوز حدود الزمان والجغرافيا واللغة، ويخاطب الفطرة والعقل والوجدان معًا. وفي هذا الإطار، يبرز القرآن الكريم من خلال إشاراتٍ كونيةٍ دقيقة إلى ظواهر لم تكن معروفة في بيئة الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، مما يدلّ على مصدره الإلهي ووُجهته الكونية.
أولًا: الجبال المتعددة الألوان
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (فاطر: 27)
تصف الآية ظاهرة جيولوجية دقيقة، تتمثل في وجود "جُدَدٍ" أي طرائق وخطوط ملونة في الجبال. يقول الإمام الطبري رحمه الله: "الجُدَد هي الخطط تكون في الجبال بيضًا وحمرًا وسودًا كالطرق، واحدتها جَدّة."
وقد كشفت الدراسات الجيولوجية الحديثة عن وجود جبال مكوّنة من طبقات معدنية متمايزة الألوان، كـجبال تشانغيه دانشيا في الصين، وجبال الملح جنوب مينسك في روسيا البيضاء التي تحوي خطوطًا لونية ناتجة عن تراكمات معدنية عبر ملايين السنين، بل استُخدمت أجزاء من هذه الجبال لعلاج أمراض الجهاز التنفسي في مصحات طبيعية حرارية، إضافةً إلى وجود جبال مماثلة في أمريكا اللاتينية، تتنوّع فيها التكوينات المعدنية بين الأحمر والوردي والرمادي نتيجة اختلاف نسب الأكسدة في العناصر الأرضية.
هذه الظاهرة لا يمكن أن يتصوّرها إنسانٌ في بيئةٍ صحراويةٍ خاليةٍ من الجبال المخططة، وهو ما يُظهر الإعجاز العلمي في اختيار المصطلح القرآني الدقيق "الجُدَد".
ثانيًا: هجرة الفراش
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ (القارعة: 4)
حيث يُشبّه القرآن حركة الناس يوم القيامة بحركة الفراش المتطاير المتفرق، في تصويرٍ مهيبٍ يجمع بين الجمال والدقة.
وقد أظهرت علوم الأحياء الحديثة أن الفراش من أكثر الكائنات التي تقوم بهجرات موسمية معقّدة عبر القارات، كـالفراشة الملكية (Monarch butterfly) التي تهاجر من أمريكا اللاتينية نحو أمريكا الشمالية في رحلة تمتد لآلاف الكيلومترات، في مشهدٍ مذهل من التنظيم الغريزي الجماعي.
ولم تكن هذه الظاهرة معروفة في بيئة العرب، إلى درجة أن كثيرًا من المفسرين الأوائل لم يدركوا طبيعة الفراش المهاجر، ففسّروا قوله تعالى: "كالفراش المبثوث" بالجراد المنتشر، أي بالكائن المتطاير عشوائيًا الذي يملأ الفضاء عند هبوب الرياح. غير أن الاكتشافات الحديثة أظهرت دقة التعبير القرآني؛ فالفراش بالفعل يُبثّ على نطاق واسع في رحلات جماعية منظّمة تشبه – من حيث الشكل العام – تفرّق الناس يوم البعث.
وهكذا، فإن هذه الأمثلة وغيرها مع تكرار النداء الإلهي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، يؤكد أن القرآن ليس كتاب أمةٍ واحدة، بل هو كتاب الإنسانية كلها، ويخاطب الإنسان من حيث هو إنسان، في أي مكان وزمان، ولا يخاطب فئة من الناس دون أخرى، بل يستحضر شمولية الخطاب القرآني
الذي:
يُبَسّط للعامة والبسطاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾؛
ويُحاور العلماء والمفكرين بالتحدي العقلي والمعرفي، كما في قوله: ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾؛
ويُثير دهشة الفلاسفة والوجوديين بأسئلة وجودية، كقوله:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾؛
ويوجّه القادة والمصلحين، كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾؛
ويضع قواعد المعاملات الاقتصادية، كقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾؛
ويربي الأجيال على القيم والأخلاق، كما في قوله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.
وهكذا، فالقرآن لا يَضيق بزمنٍ، ولا يختصّ بفئةٍ أو نخبةٍ من الناس، بل يحمل في طيّاته خطابًا خالدًا يتفاعل مع الإنسان فردًا وجماعةً، عقلًا ووجدانًا، علمًا وتدبّرًا.
ومن ثمّ، فإنّ التفسير العلمي — إذا التزم بضوابطه المنهجية — لا يُضيف إلى القرآن شيئًا من خارجه، بل يُظهر ما أودع الله فيه من إشاراتٍ كونيةٍ وآفاقٍ معرفيةٍ تتجدّد بتجدّد العصور.
وهذا مما ذكره نبينا محمد ﷺ بقوله» وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة «في إشارةٍ إلى استمرارية أثر الرسالة، وتجدد معانيها، واتساع دوائر هدايتها.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لطلبة العلم والباحثين، سببًا لتعميق الإيمان في القلوب، ووسيلةً لتقريب معاني القرآن إلى عقل الإنسان المعاصر.
عن كتاب: التفسير العلمي والإعجاز العلمي /سورة البقرة/للدكتور محمد بورباب.
—
المصدر: منشور على صفحة «د. محمد بورباب» في فيسبوك بتاريخ 2025-10-17
https://www.facebook.com/bourbab.m/posts/pfbid02c3MfB98Z9vMidfDHvPxbezmcbxJUaVksGYDnjyAHbwqn1Mj6pJTRG4r3UMgNR5Afl
