
ملخص حوار علمي حول أيام الخلق الستة بين الفهم القرآني والتصور الكوني الحديث قراءة نقدية في طرح الدكتور حسن العمري بقلم: د. محمد بورباب المقدمة أثارت مسألة “أيام الخلق الستة” نقاشًا متجددًا بين المفسرين والباحثين في…
ملخص حوار علمي حول أيام الخلق الستة بين الفهم القرآني والتصور الكوني الحديث
قراءة نقدية في طرح الدكتور حسن العمري
بقلم: د. محمد بورباب
المقدمة
أثارت مسألة “أيام الخلق الستة” نقاشًا متجددًا بين المفسرين والباحثين في الإعجاز العلمي، خصوصًا في ظلّ التقدم الهائل في علم الكونيات (Cosmology) وما يرتبط به من نظريات حول عمر الكون وبدايات تشكل المجرات والنجوم والكواكب.
وقد أدلى بعض الباحثين بتفسيرات تُحاول الربط بين عمر الكون المقدّر بنحو 13.8 مليار سنة، وبين الأيام الستة المذكورة في القرآن الكريم، كما ذهب إلى ذلك الدكتور حسن العمري الذي قدّم قراءة مثيرة للجدل سنعرضها ونناقشها علميًا وقرآنيًا في هذا المقال.
أولًا: طرح الدكتور حسن العمري
يرى الدكتور حسن العمري أن:
»خلال أيام الخلق الستة لم تكن هناك نجوم ولا كواكب ولا ذرات للعناصر، إنما كان هناك الإشعاع والدقائق الأولية للمادة والنوى الخفيفة، وكان الكون في حالة رتق بين الإشعاع والمادة، ولم تكن هناك أرض ولا جبال، وإنما المادة المظلمة كانت الحاضن الجاذبي الإرسائي. «
كما اعتبر أن مساواة عمر الكون بعمر “الأيام الستة” تفسير غير صحيح، مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ (الكهف: 51)،
وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (لأعراف: 54)
ثانيًا: ملاحظات علمية على هذا الطرح
رغم نية الدكتور العمري في الجمع بين المعطيات الكونية والنص القرآني، إلا أنّ طرحه يتضمن خلطًا بين مرحلتين كونيّتين مختلفتين تمامًا:
1. مرحلة الرتق والفتق، أي الانفجار الكوني العظيم وبداية تشكل المادة والطاقة.
2. مرحلة الخلق في ستة أيام، وهي مرحلة التنظيم البنائي للسماوات والأرض والنظام الكوني المستقر.
الخلط بين هاتين المرحلتين جعل التفسير يخرج عن السياق القرآني الذي يربط الأيام الستة بمرحلة البناء والتنظيم لا بالبدايات الإشعاعية الأولى، كما يزعم الدكتور حسن العمري والدكاترة اآخرين الذين أشار إليهم في الحوار.
ثالثًا: الرد العلمي والقرآني
1. الفصل بين الخلق والرتق:
تصف الآية الكريمة:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾
بوضوح الانفجار الأول وبداية التمدد الكوني، وهي مرحلة سابقة على الخلق في ستة أيام.
2. الخلق في ستة أيام هو مرحلة التنظيم البنائي:
وفيها، كما في غيرها التوافق التام بين التسلسل القرآني والعلمي في تكوين الأرض وغلافها الجوي ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (البقرة: 29)، هذا النص القرآني يجمع بين مرحلتين متباعدتين زمنياً في خلق الأرض وغلافها الجوي:
تجهيز الأرض أولاً، ثم تنظيم السماء، وهو ما أثبته علم الفلك الحديث، فسماء الأرض كانت موجودة في صورة دخان (غازات وأبخرة)،
ثم خضعت لعملية تسوية وتدرج زمني انتهى بجعلها سبع سماوات منظمة، ولكل منها وظيفة.
وهذا يعكس بدقة ما يثبته العلم حول أن الغلاف الجوي لم يُخلق فجأة بشكله الحالي، بل مر بمراحل تطورية طويلة حتى استقر على صورته، الأمر الذي تفسله سورة فصلت في قوله تعالى:
الآية في سورة فُصِّلَت:
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعٗا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَا﴾ [فصلت: 11–12].
حيث كلمة "دخان" وصف بالغ الدقة للحالة الكونية، لأن العلم يثبت أن السماء الأولى (المحيطة بالأرض) كانت في بداياتها غازات وأبخرة متصاعدة من الانبعاث البركاني والاصطدامات النيزكية، وهو ما يقابل كلمة دخان.
وفي قوله تعالى "ثم استوى إلى السماء": ثم" هنا تفيد التراخي الزمني لا الترتيب الفوري، أي أن عملية التسوية للسماء (ومنها الغلاف الجوي) لم تحدث دفعة واحدة بل تدرجت عبر مراحل طويلة.
وهذا ينسجم مع ما ذكرناه علميًا: أن الغلاف الجوي احتاج مليارات السنين ليتطور من غلاف بدائي كثيف ومختلف عن الحالي إلى غلاف مستقر يحمي الحياة.
"فسواهن سبع سماوات":
• هذا يشير إلى أن السماء (ومنها الغلاف الجوي القريب منا) مرت بعمليات تسوية وانفصال إلى طبقات.
• والعلوم الحديثة تؤكد أن الغلاف الجوي مكوَّن من طبقات سبع رئيسية (تروبوسفير، ستراتوسفير، ميزوسفير، ثيرموسفير، إيونوسفير، إكسوسفير، والمغناطوسفير كحزام حماية)، وهو توافق مدهش مع التعبير القرآني.
• "وأوحى في كل سماء أمرها":
• يمكن أن يُفهم على أن كل طبقة من طبقات السماء والغلاف الجوي لها وظيفة محددة:
1. طبقة تحمي من الأشعة فوق البنفسجية (الأوزون).
2. طبقة تنظّم الطقس.
3. طبقة تحرق الشهب.
4. طبقة تعكس الموجات اللاسلكية… إلخ.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ... ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ... فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ،) (فصلت: 9–12).
هو تفصيل لمراحل خلق الأرض بدقة هندسية زمنية، تبدأ بتكوين الأرض وتنتهي بتسوية الطبقات السبع للغلاف الجوي للأرض، وهي مرحلة كانت جزءًا من الخلق في الستة أيام لا خارجه.
3. التناسب العددي لا يعني المساواة الزمنية:
حين نقسم عمر الكون (13.8 مليار سنة) على عمر الأرض (4.54 مليار سنة) فنحصل على نسبة قريبة من 6 ÷ 2 = 3، وهو توافق عددي يُراد به التحديد الزمني لأيام خلق السماوات والأرض في ستة أيام=13.8 مليار سنة./عمرالكون ، وأيام خلق الأرض: 4.57 مليار سنة، وهي إشارة رمزية إلى التناسب البنائي بين المراحل الكبرى للخلق الكوني والجيولوجي.
4. الاستواء على العرش بعد تمام الخلق:
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يدل على اكتمال مرحلة الخلق وانقضائها، أي أن “الأيام الستة” قد انتهت منذ أمد بعيد، وبدأ نظام التسيير الكوني المحكم، وهو ما أكّده المفسرون وأهل السنة والجماعة.
رابعًا: القراءة الجيولوجية والكونية المتوازنة
من منظور جيولوجي حديث، يمكن ملاحظة تسلسل متناسق مع البيان القرآني:
• بداية تشكّل الكون قبل 13.8 مليار سنة.
• ظهور أوائل النجوم بعد 13.4 مليار سنة.
• تشكل الأرض قبل 4.57 مليار سنة.
• تكون الغلاف الجوي الأول قبل 4.4 مليار سنة.
وهذا التسلسل لا يتعارض مع النص القرآني، بل يؤكد التدرج في الخلق والتنظيم الذي ورد في سورة فصلت.
الخلاصة
إنّ الخلق في ستة أيام يمثل قانونًا إلهيًا في التدرج والإتقان، لا رقمًا فلكيًا يقاس بالسنوات الضوئية.
وإنّ خلط بعض الباحثين بين مراحل الرتق الأولى وبين نظام الخلق البنائي للسماوات والأرض يوقعهم في سوء الفهم، إذ يجعل من “أيام الخلق” مرحلة (كان فيها الإشعاع والدقائق الأولية للمادة والنوى الخفيفة، وكان الكون في حالة رتق بين الإشعاع والمادة) لا مرحلة النظام الكوني.
لكن القرآن الكريم يفرّق بدقة بين:
• بداية الوجود (الرتق والفتق)،
• ومرحلة البناء والتنظيم (الخلق في ستة أيام)،
• ومرحلة التسيير والهيمنة (الاستواء على العرش).
وكل ذلك يشهد على أن النص القرآني يسبق المفهوم العلمي الحديث بدقة وإحكام مذهل، لكن أصحابنا يلوون أعناق الآيات الواضحة الدلالة، بالرغم من استقرار النتائج العلمية الفلكية في الموضوع.
العرض والربط بين النص القرآني والمعطيات الكونية/الخط الزمني (Timeline) الذي يجمع بين الآيات القرآنية من سورة الأنبياء وسورة فصلت مع تسلسل الأحداث الكونية والجيولوجية — والذي يبين الانسجام الزمني بين الوحي والواقع العلمي.
الخلاصة البصرية:
يمكن تلخيص التسلسل الزمني كالتالي:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾] الأنبياء : 30[ (30) : بداية الخلق الكوني: الرتق والفتق
سورة فصلت (9–12) ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ... ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ... فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ،) (فصلت: 9–12).
: تفصيل الخلق الأرضي: التهيئة الجيولوجية والغلاف الجوي
سورة الأعراف (54) ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (لأعراف: 54) : اكتمال النظام الكوني واستقراره تحت السنن الإلهية.
والله تعالى أجل وأعلم
—
المصدر: منشور على صفحة «د. محمد بورباب» في فيسبوك بتاريخ 2025-11-10
https://www.facebook.com/bourbab.m/posts/pfbid0VMSfVFa9BP6eRwnW3vus3WViz34zZUVS64LTD5RMTfCMrnNGthGuT6DsnjBxgeaSl
